
السيد فاضل آل درويش
مواقف العظماء لا تقاس ولا يجري تقييمها بقدر ما تحمله من كلمات وإشارات لوحدها، فمواقفهم قد تختزل الكثير من المضامين والإرشادات التي تحتاج إلى التعامل معها إلى التأمّل والدّقة، فمشهد واحد من سيرة شريفة ومعطاءة قد يستبطن ما لا تحمله الخِطب والمحاضرات الكثيرة، ومن تلك المشاهد التي تستحقّ الإشادة والنظر فيها هي ما نُقل من وصيّة المرجع الشيخ الفياض (قده) بأن يُوارى الثرى في مكتبه الذي قضى فيه عمره المبارك، وللوهلة الأولى قد يرى البعض فيه مجرد وصية شخصية تخصّه ولا تحمل من الدلالة أكثر من ذلك، ولكنها – في الحقيقة – رسالة تحمل من الدلالات المعرفية والأخلاقية الشيء الكثير لمن سبر أغوارها وابتغى استخراج اللآليء من أصدافها، ومضة تنسجم مع النهج المعرفي الذي سار عليه الفقهاء في ميدان بذلوا فيه كل جهودهم وأوقاتهم، فمحور حياتهم يدور حول هذه الرسالة السامية وهي النّهم العلمي مطالعة وبحثًا وتدوينًا وتعليمًا عبر الأجيال المتلاحقة، فالعلماء الربّانيّون أمناء السماء وحملة أمانة الحفاظ على الدين وقيمه وتبليغ الأحكام الشرعية وصناعة الشخصيات الإيمانية، فكانت لمساتهم وعطاؤهم مثمرًا قد تجلّى في وضع لبنات قوية في مسيرة التعليم وتربية النفوس فكانت هذه رسالتهم الأولى والآخيرة، المنسجمة مع خط الهداية الذي سار عليه الأنبياء والأولياء والفقهاء يحملون راية المعارف وتهذيب النفوس ليسلّموها لمن يأتي بعدهم.
وتلك القبور لهذه القامات كذلك تحمل من الدلالات والقيم المعنوية، فإن القبر المادي لا يعطي أي مظهر من مظاهر العظمة والمكانة بقدر ما هو حكم شرعي تُستر فيه أجسام الموتى، ولكن هناك من يبقي مستذكَرا له في سيرته الحافلة بالدروس والمنهجية التي تتأسّى بها الأجيال الإيمانية وتكون موضع اهتمام واقتداء، وليس هناك أعظم من أثر صالح كعلم نافع ينتفع به طلاب الحوزة والمؤمنون، فإن قيمة العالم تكمن فيما ينشره من هداية ومعرفة تنشر القيم الدينية والقرآنية وتنير العقول وتثري المجالس العلمية بأثر يُتداول، لا فيما يملكه من جاه أو مظهر اجتماعي زائل لا يبقى منه شيء.
اختار المرجع الفياض (قده) أن يقدّم درسًا من نوع آخر بعد رحيله يضيفه مع ما خلّفه من آثار أصولية مهمة كالمباحث الأصولية والكتب الفقهية والمحاضرات الأخلاقية وغيرها، وهو أن القبر يعبّر عن صاحبه بما ترك من سيرة وآثار خالدة في النفوس، فوصيّته (قده) جاءت لتعبّر عن حقيقة شخصيّته العلميّة والزاهدة في كل المظاهر الدنيوية، وهو غير مستغرب منه لمن اطلع على سيرته الحافلة والحاضرة في نفوس من تتلمذوا على يديه المباركة.
فالمكتب الذي شهد سنوات البحث الخارج واحتضن نتاجه العلمي واستقبل طلاب العلم والمراجعين لسنوات سيكون موضع قبره الشريف؛ ليتحوّل إلى شاهد حيّ على رحلة عمر امتدّت في خدمة الشريعة والمعارف الحقة، علمًا بأن المرجع الفياض (قده) قد سبقه من العلماء من أوصى بدفنه في مدْرسه أو مكتبته، ولكنها التفاتة تربوية ينبغي إحاطتها تأملًا وتدقيقًا واعتبارًا.




