أقلام

لا ملازمة بين درجة الذكاء ودرجات الاختبار التحصيلي أو اختبار القدرات

المترجم :عدنان أحمد الحاجي

يفترض كثير من الطلاب والطالبات وأولياء أمورهم جازمين أن هناك علاقة طردية بين مستوى الذكاء ودرجة اختبارات القياس، مثل الإختبارات التحصيلية واختبارات القدرات. لكن بعض الأحيان يخذلهم هذا الافتراض حتى مع تكرار محاولات الاختبارات هذه؛ فما السبب.

بعد أكثر من قرن من الأبحاث، والتي كان الكثير منها مثيرًا للجدل إلى حد كبير، ما يزال علماء النفس يجدون صعوبة في تعريف الذكاء، ويشكك الكثيرون في صحة الاختبارات المصممة لقياسه (1). ومع ذلك، انبثقت إحدى الأفكار التي ما زالت قائمة: وهي أن درجات الذكاء المرتفعة مقترنة بمعالجة أسرع للمعلومات (2)، أو “السرعة الذهنية [السرعة الذهنية هي سرعة المعالجة الإدراكية أو ببساطة سرعة المعالجة، وهي السرعة التي بها نتلقى المعلومات ونرد عليها أو نستجيب لها (3)]”. لكن دراسة جديدة أجراها باحثون في ألمانيا تفيد بأنه حتى هذه الفكرة قد لا نكون صحيحة.

أثبتت هذه الدراسة (4) التي نشرت في مجلة Nature Communications أن الحاصلين على درجات ذكاء مرتفعة يأخذون وقتًا أطول في حل المسائل المعقدة أو الصعبة لأنهم أقل احتمالًا للتسرع في الاستنتاجات (5). تربط هذه الدراسة أيضًا القدرة على حل المسائل بالتباين في اتصالية الدماغ والتزامن بين نشاط مناطق الدماغ (6).

ايجاد علاقة بين سرعة الحل والقدرات الذهنية

قام مايكل شيرنر Michael Schirner من جامعة الشاريتية الطبية في برلين (Charité-Universitätsmedizin Berlin ) وزملاؤه بتحليل بيانات مستحصلة من 1176 مشاركًا في مشروع الجينوم البشري (7)، كما درسوا العلاقة بين درجات الذكاء وأزمنة ردود الفعل في اختبار جامعة ولاية بنسلفانيا للاستدلال المنطقي الترابطي Penn Matrix Reasoning [هذا الاختبار مصمم لقياس قدرات الاستنباط والمرونة الذهنية (8)]، وهو مجموعة من أسئلة تتطلب البحث عن أنساق تزداد صعوبة [البحث عن الأنساق أو الأنماط هي طريقة للتعرف على أنساق أو تسلسلات من حروف أومن أعداد / أرقام معينة أو مجموعات متسقة من مجموعة نصية كبيرة (9)].

أثبت هذا الاختبار أنه بالرغم من أن ذوي درجات الذكاء المرتفعة حلوا المسائل السهلة بسرعة، إلا أنهم أخذوا وقتًا أطول في حل المسائل الصعبة، ويرجع ذلك على ما يبدو إلى أنهم أستغرقوا وقتًا أطول في استنباط القواعد الضمنية (غير الصريحة أو الظاهرة) قبل الوصول إلى الحل الصحيح.

بعد ذلك، ولّد الباحثون نماذج حوسبية لكل شبكة دماغية لـ 650 مشاركََا، بحيث يعكس كل نموذج الخصائص الفردية لكل مشارك وذلك بالدمج بين بيانات الاتصالية الدماغية لكل واحد منهم بنماذج علمية عامة للدارات العصبية (10) المسؤولة عن اتخاذ القرارات والذاكرة العاملة [اتخاذ القرارات تشمل أيضًا اتخاذ قرار بالإجاية على سؤال من الأسئلة]. وبهذه الطريقة تمكنوا من بناء نماذج فردية تساعدهم على فهم كيف تعمل هذه الوظائف الذهنية لكل شخص بشكل أكثر دقة. وكشفت النتائج أن أولئك الذين استغرقوا وقتًا أطول لحل الأسئلة الصعبة لديهم اتصالية عالية في حالة الراحة [حالة لا يقوم بها الشخص بأي عمل] بين الفص الجبهي (11) والفص الجداري (12)، ومستوى النشاط التزامني بين منطقتي الدماغ هاتين مستوىََ عالٍ.

من المعروف أن الفص الجبهي يلعب أدوارًا مهمة في الانتباه واتخاذ القرارات، بينما يُعتقد أن الفص الجداري يقوم بجمع ودمج المعلومات الحسية. تشير دراسات تصوير الدماغ إلى أن الذكاء يتطلب اندماجية بين شبكتي الفص الجبهي والفص الجداري (13)، لذا فإن مستوى النشاط التزامني العالي بين هاتين المنطقتين قد يعكس آلية الانتباه التي يقوم بها الفص الجبهي [المختص بانتقاء المعلومات ذات الصلة بالسلوك وتجاهل ما عداها (14)] التي تنظم معالجة المعلومات في الفص الجداري.

كلما كان الشخص أكثر ذكاءً كان أبطأ في حل المسائل الصعبة

نتائج هذه الدراسة تعارض (تطعن في) الافتراض القائل بأن الذكاء العالي هو نتيجة للدماغ الأسرع [السرعة الذهنية]. وتفيد هذه النتائج أن الدماغ الأسرع ليس بالضرورة هو الأفضل في اتخاذ القرارت (15)، وحيث أنه في ظل ظروف معينة هناك مقايضة بين السرعة والدقة في اتخاذ القرارات [أي أن السرعة هنا تأتي على حساب الدقة فكلما كان اتخاذ القرار أسرع كانت الدقة أقل والعكس صحيح]. وعليه فإن البطء في اتخاذ القرارات يؤدي إلى قرارات أفضل (16).

وبالتالي، بالرغم من أن التفكير السريع “التلقائي (في اللاوعي)” كافٍ لاتخاذ قرارات بشأن المسائل السهلة، فإن نوع العمليات الذهنية الأبطأ والتي تتطلب جهدًا ذهنيًا أكبر، والتي تدعم عملية دمج المعلومات ذات الصلة على فترة أطول، قد تكون أفضل لحل المسائل الأكثر صعوبة. وخلاصة الدراسة هي كالتالي:

هذه الدراسة تطعن في الاعتقاد بأنه كلما كانت درجات الذكاء أعلى، كانت معالجة المعلومات أسرع.

كشفت نتائج الدراسة أيضًا عن وجود علاقة بين القدرة على حل المسائل والاختلافات في اتصالية الدماغ والتزامن في النشاط بين الفص الجبهي والفص الجداري.

تشير النتائج إلى أن هناك مقايضة بين السرعة والدقة في العمليات الذهنية، ما يسلط الضوء على أهمية التفكير الأبطأ والذي يتطلب جهدًا أكبر لحل المسائل الصعبة واتخاذ قرارات أفضل.

الهوامش

1- https://bigthink.com/neuropsych/iq-load-bs/

2- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S019188690700325X?

3- https://mybrainware.com/cognitive-skills/cognitive-skills-processing-speed/

4- https://www.nature.com/articles/s41467-023-38626-y

5- https://adnan-alhajji.blogspot.com/2022/03/blog-post_10.html?m=1

6- https://adnan-alhajji.blogspot.com/2023/08/blog-post_21.html?m=1

7- https://ar.wikipedia.org/wiki/مشروع_الجينوم_البشري

8- https://www.cognitiveatlas.org/task/id/trm_56a2a5f8315c5/

9- https://www.engati.com/glossary/pattern-matching

10-https://en.wikipedia.org/wiki/Models_of_neural_computation

11- https://ar.wikipedia.org/wiki/فص_جبهي

12- https://ar.wikipedia.org/wiki/فص_جداري

13- https://citeseerx.ist.psu.edu/document?

14- https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fnins.2017.00545/full

15- https://bigthink.com/the-well/system-1-2-thinking-fast-slow/

16- https://core.ac.uk/reader/28891500?utm_source

المصدر الرئيس

https://bigthink.com/neuropsych/intelligent-people-slower-solve-hard-problems/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى