
أحمد الطويل
تنويه:
هذه المقالة هي الثانية من سلسلة “الحسين الذي لا يغيب”، نواصل فيها التأمل في نهضة الإمام الحسين عليه السلام، لنقف عند سرّ بقاء كربلاء حجةً متجددة على الإنسان في كل زمان، لا مجرد واقعةٍ طواها التاريخ.
مقدمة:
إذا كان سرُّ خلود الإمام الحسين عليه السلام يكمن في رسالته التي تجاوزت حدود الزمان، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف بقيت كربلاء حيّةً في ضمير الأمة، ولماذا لم تتحول إلى صفحةٍ من صفحات التاريخ كما تحولت إليها آلاف الوقائع التي سبقتها ولحقتها؟
إن كثيرًا من الأحداث العظيمة تُروى ثم تُنسى، لأن أثرها يبقى محصورًا في زمنها. أما كربلاء فقد خرجت من حدود التاريخ لتصبح معيارًا يُقاس به الموقف من الحق والباطل، والعدل والظلم، والوفاء والمساومة. فلم تعد مجرد قصةٍ تُحكى، بل أصبحت حجةً تواجه الإنسان كلما وقف أمام اختبارٍ أخلاقي أو إيماني.
ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه كربلاء لا يتعلق بالماضي وحده، بل بالحاضر أيضًا. فهي لا تسأل: ماذا فعل الناس مع الحسين عليه السلام؟ بقدر ما تسأل: ماذا سيفعل الإنسان اليوم عندما يتبين له الحق؟ وهل يملك الشجاعة ليقف معه إذا أصبح ثمنه غاليًا؟
ومن هنا بقيت نهضة الإمام الحسين عليه السلام متجددةً في معناها، لأن الإنسان ما زال يواجه في كل عصر الامتحان نفسه، وإن اختلفت صوره وأدواته.
وهذه وقفةٌ مع كربلاء، الحجة الباقية.
كربلاء ليست قصةً بل حجة
لم يخرج الإمام الحسين عليه السلام ليضيف إلى التاريخ معركةً جديدة، ولا ليترك للأجيال قصةً مؤثرة فحسب، بل خرج ليقيم الحجة على الإنسان بأوضح صورةٍ يمكن أن تُقام بها الحجة.
فالحق في كربلاء لم يكن غامضًا يحتاج إلى بحثٍ طويل، ولم يكن مختلطًا بالباطل بحيث يصعب تمييزه. بل ظهر واضحًا في شخص الحسين عليه السلام، وفي أهدافه، وفي كلماته، وفي مواقفه. ولهذا فإن المأساة الحقيقية لم تكن في أن الناس لم يعرفوا الحق، بل في أن كثيرًا منهم عرفوه ثم تخلّى عنه.
لقد كانت كربلاء لحظةً انكشف فيها كل شيء. فلم تعد الأعذار قادرةً على إخفاء الحقيقة، ولا الشعارات قادرةً على تبرير الانحراف. ولهذا بقيت حاضرةً في ضمير الأمة؛ لأنها كشفت أن المشكلة ليست دائمًا في غياب الحق، وإنما في ضعف الإرادة أمامه.
ومن هنا لم تعد كربلاء حادثةً تخص سنة إحدى وستين للهجرة، بل أصبحت ميزانًا دائمًا يُوزن به موقف الإنسان من الحق. فكلما وقف المرء بين مبدأٍ ومصلحة، أو بين قناعةٍ وخوف، أو بين واجبٍ وهوى، عاد سؤال كربلاء ليُطرح من جديد.
ولهذا فإن الحسين عليه السلام لم يترك للأمة مجرد ذكرى مؤلمة، بل ترك لها حجةً متجددة. حجةً لا تتوجه إلى جيلٍ بعينه، وإنما إلى كل إنسان؛ لأن الامتحان الذي كشفته كربلاء لا يزال يتكرر بأشكال مختلفة في كل عصر.
إنها لا تسأل الإنسان: هل تعرف الحق؟ بل تسأله: ماذا ستفعل عندما تعرفه؟ وهل ستبقى معه إذا أصبحت كلفته عالية؟
ولعل هذا هو سرّ بقاء كربلاء؛ فهي لا تُقرأ بوصفها قصةً من الماضي، بل بوصفها سؤالًا مفتوحًا لا يزال ينتظر جواب كل إنسان.
معرفة الحق لا تكفي
من أكثر الدروس عمقًا في كربلاء أن معرفة الحق وحدها لا تكفي لاتباعه. فالمشكلة التي كشفتها النهضة الحسينية لم تكن نقصًا في الأدلة، ولا غموضًا في الحقيقة، بل كانت في قدرة الإنسان على الثبات عندما يصبح الحق مكلفًا.
فالإمام الحسين عليه السلام لم يكن شخصيةً مجهولة، ولا كانت مكانته خافية على الأمة. كانوا يعرفون أنه سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، ويعرفون منزلته، ويسمعون كلماته، لكن المعرفة وحدها لم تمنع كثيرًا منهم من التردد، أو الصمت، أو الوقوف في الجهة الأخرى.
وهنا يتجلى الفرق بين الاقتناع والموقف. فقد يقتنع الإنسان بالحقيقة في داخله، لكنه يعجز عن تحويل هذا الاقتناع إلى عمل إذا اصطدم بالخوف، أو المصلحة، أو ضغط المجتمع، أو حب الدنيا.
ولهذا لم يكن أصحاب الحسين عليه السلام عظماء لأنهم عرفوا الحق فقط، بل لأنهم امتلكوا الشجاعة التي جعلتهم يتمسكون به حين أصبح ثمنه أرواحهم. أما غيرهم، فقد كان كثيرٌ منهم يعرف، لكنه لم يملك قوة القرار.
إن كربلاء تكشف أن أصعب معارك الإنسان ليست مع الآخرين، بل مع نفسه. فكم من إنسانٍ يعرف واجبه ثم يؤجله، ويؤمن بالمبدأ ثم يساوم عليه، ويدرك الحقيقة ثم يبحث عن مبرراتٍ للابتعاد عنها.
ومن هنا لا تقف كربلاء عند حدود التاريخ، بل تدخل إلى أعماق النفس الإنسانية. فهي تدعو الإنسان إلى أن يسأل نفسه دائمًا: هل يكفي أن أعرف الحق، أم أن المطلوب هو أن أكون من أهله؟
فالمعرفة تضيء الطريق، لكن الثبات هو الذي يقود إليه. ولهذا لم يكن الفارق الحقيقي يوم عاشوراء بين من يعلم ومن يجهل، بل بين من ثبت ومن تراجع، وبين من قدّم الحق على نفسه، ومن قدّم نفسه على الحق.
الامتحان الذي لا ينتهي
قد يظن بعض الناس أن كربلاء كانت امتحانًا خاصًا بجيلٍ مضى، وأن الذين عاشوا تلك الأيام هم وحدهم من وُضعوا أمام خيار الوقوف مع الحسين عليه السلام أو التخلي عنه. لكن الحقيقة أن كربلاء لم تنتهِ بانتهاء يوم عاشوراء، لأن الامتحان الذي كشفته لا يزال يتكرر في حياة الإنسان بأشكال مختلفة.
ففي كل زمان يوجد حق يحتاج إلى من ينصره، وباطل يبحث عمن يبرره. وفي كل عصر تقف المصالح في مواجهة المبادئ، والخوف في مواجهة الواجب، والراحة في مواجهة المسؤولية. ولهذا تبقى كربلاء حاضرة، لأنها تكشف طبيعة هذا الصراع المتجدد.
إن الإنسان قد لا يُطلب منه أن يقدم ما قدمه أصحاب الحسين عليه السلام، لكنه يُمتحن كل يوم في صدقه، وأمانته، وعدله، ووفائه، وشجاعته في قول الحق، وثباته أمام الإغراء أو التهديد. وهذه كلها صور مختلفة للامتحان نفسه.
ولهذا فإن قراءة كربلاء لا ينبغي أن تقود الإنسان إلى محاسبة أهل الماضي فقط، بل إلى محاسبة نفسه. فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا فعل الناس مع الحسين؟ بل: ماذا أفعل أنا عندما أقف أمام موقف يشبه كربلاء في معناه، وإن اختلف في صورته؟
ومن هنا بقيت نهضة الإمام الحسين عليه السلام حيّة؛ لأنها لم تكشف انحراف زمنٍ معين فحسب، بل كشفت قانونًا ثابتًا في حياة الإنسان: أن الحق يحتاج دائمًا إلى من يثبت عليه، وأن الباطل لا ينتصر إلا عندما يتراجع أهل الحق عن مسؤولياتهم.
ولهذا فإن كربلاء ليست ذكرى تُستعاد مرةً في العام، بل مدرسةٌ تُرافق الإنسان في كل أيامه، تذكّره بأن الامتحان لا يزال قائمًا، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يعرفه من الحق، بل بما يصنعه حين يُدعى إلى الوقوف معه.
ويبقى السؤال
إذا كانت كربلاء قد بقيت حجةً على الإنسان، فإنها بقيت أيضًا حيّةً في القلوب، لا بالعقل وحده، بل بما اجتمع فيها من العقيدة والعاطفة. فما سر هذا الارتباط الذي لم تضعفه القرون، وكيف حفظت مدرسة أهل البيت عليهم السلام هذا الحضور المتجدد للإمام الحسين عليه السلام في وجدان المؤمنين؟
ذلك ما سنتأمله في المقالة الثالثة بإذن الله.





