أقلام

حين اطمأنت النفس (٥)  صناعة الانتصار من قلب الألم

 السيد فاضل آل درويش

التعامل الواقعي مع المراحل الصعبة وما يصاحبها من آلام وأحزان هو ما يميّز الإنسان الواعي والناضج عقليًّا عن غيره، وذلك أن محاولة التهرّب من الواقع وإغماض العين عما لحقه من خسائر وآثار سلبية لن يغير من الواقع شيئًا، ولن يقوده نحو الخلاص والنجاة وتجنب وجع الرأس كما يظن، بل على العكس فإن ترك أي مشكلة دون حلول ومعالجة يحولها إلى ملف مفتوح قد يقوده نحو مزيد من التشتت والتشرذم والمتاهات، وهذا ما يستدعي وقفة مسؤولة أمام تلك الصعاب والتحديات مع ما تحمله من آلام وهموم، فالمطلوب من الإنسان أن يتعامل مع المتاعب والشدائد كمحطات اختبار، وعليه أن يحافظ على ضبط نفسه وانفعالاته و هدوئه واتزانه الفكري والوجداني في كل ما يقدم عليه من خطوات أو أفكار، فلا يسمح لمحطات الألم والأحزان أن تسرق منه رسالته في الحياة وأهدافه وتصرفه عنها، فخيط الأمل والرجاء لا يفارقه في كل مراحل حياته و يتموضع بعيدًا عن التشتت الذهني وضعف الهمة عن القيام بما جيب عليه من واجبات ومهام تحقق له غاياته.

هل يمكن لمحطة الألم أن تتحوّل من عبء ثقيل إلى مدرسة يتلقى منها مجموعة من الدروس والخبرات يتعلمها ويكتشفها من تجارب مريرة استطاع تجاوزها؟

نعم يحدث هذا عندما ينظر الإنسان إلى الظروف الحياتية الصعبة كمعلم يلقي دروسه وعليه الإصغاء والتمعّن فيها، وهنا تتحوّل تلك المحنة العابرة إلى رصيد حياتي يتلقّى منه الصبر وتحمل المتاعب والتكيّف مع الظروف الصعبة ومواجهة الصعاب بإرادة قوية والتمسك بالأمل بانفراج الأمور، وحينئذٍ ينتقل من طريقة التفكير السلبي بأسباب حدوث المتاعب له وخصوصيتها واجترار الصور المؤلمة، إلى مرحلة أعمق وهي التفكير في محطات البناء النفسي التي يمكن أن يكتسبها من خلال هذا البلاء والاختبار.

الانتصار الحقيقي الذي يمكن أن يسجلّه الفرد لا يكون في الدخول في دوامات النقاشات العقيمة والجدال عديم الفائدة مع الآخرين، بل الانتصار يتحقق عندما يتمكّن الإنسان من ضبط نفسه والمحافظة على اتزانه الفكري والوجداني في خضم الظروف الحياتية الصعبة، فإن الانكسار الحقيقي هو انكسار النفس وتسرّب روح اليأس إلى دواخله متى ما داهمته مشكلة أو شدّة، وهذه سيرة الإمام السجاد (ع) العملية لا تفارق ولا تتباين مع ما يدعو له في الصحيفة السجادية من الالتجاء إلى الله تعالى والتوكل عليه، ومن ثَمّ القيام بما يجب عليه من مهام متسلحًا بالصبر والثبات ومواجهة التحديات، فالإمام (ع) حمل رسالة السماء وصنع من آلامه مشروعا لإحياء الأمة وحفظ قيم ومضامين الدين الحنيف، لقد واجه الإمام (ع) أقسى الظروف ومع ذلك فإنه لم يسمح للجراح أن تتحول إلى حقد أو عقدة أو محطة ندب واجترار الآلام، بل جعل من صبره قوة وعطاء في ميادين الحياة التبليغية، وصيّر حكمته منبرًا هاديًا للناس يستلهمون منه الدروس في مواجهة التحديات، وكانت عبادته مدرسة ومنهجية في القرب من الله تعالى وشكر المنعم عز وجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds