
المترجم : عدنان أحمد الحاجي
بقلم سارة ديبستراتن، باحث أول وجون (إيدي) لا ماركا، باحث أول في قسم خلايا الدم وسرطانات الدم، في معهد والتر وإليزا هول للأبحاث الطبية (WEHI).
الموجات الكهرومغناطيسية منتشرة في كل مكان قي محيطنا. فهي ما تمكننا من الاستماع إلى برامجنا المفضلة عبر الراديو، ومن استخدام شبكات الواي فاي، وتحديد المواقع بواسطة أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية (الـ GPS)، وإجراء المكالمات الهاتفية باستخدام الهواتف المحمولة.
وتُعد الموجات الكهرومغناطيسية أحد أشكال الإشعاع الكهرومغناطيسي، وتقع عند الطرف الأضعف طاقة من الطيف الكهرومغناطيسي (1)، أي أنها تمتلك أقل قدر من الطاقة وأطول طول موجي مقارنةً بالأنواع الأخرى من الإشعاعات الكهرومغناطيسية.
لكن نظرًا إلى أن الأشكال عالية الطاقة جدًا من الإشعاع الكهرومغناطيسي، مثل الأشعة السينية، يمكن أن تُسبب السرطان، فقد كان هناك قلقٌ منذ فترة طويلة من أن الموجات الراديوية قد تُلحق أيضًا ضررًا بصحة الإنسان.
ومع الانتشار الهائل لاستخدام الهواتف المحمولة خلال العقدين الماضيين، ازداد القلق بشكل خاص بشأن ما إذا كان وضع هذه الأجهزة بالقرب من الأذن أثناء استخدامها قد يزيد من احتمال الإصابة بسرطان الدماغ.
في عام 2019، طلبت منظمة الصحة العالمية (WHO) بإجراء 13 مراجعة علمية لتقييم الآثار الصحية للموجات الكهرومغناطيسية (2).
وأعادت دراسة جديدة (3)، نُشرت في 16 يوليو 2026، تحليل نتائج هذه المراجعات، وخلصت إلى أنه لا يوجد أي دليل على أن الموجات الكهرومغناطيسية المنبعثة من الهواتف المحمولة تُسبب سرطان الدماغ أو الرأس أو الرقبة. وفيما يلي نظرة على أبرز النتائج الأخرى التي توصلت إليها الدراسة.
القلق بشأن الآثار الصحية المحتملة للإشعاع منخفض الطاقة يرجع إلى فترة الحرب الباردة. ففي تلك الحقبة بدأت تقنيات جديدة، مثل أفران الميكروويف وأجهزة التلفزيون، بالانتشار على نطاق واسع ودخول العديد منها في المنازل.
وتُعد موجات الميكروويف، وهي نوع من الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي يُستخدم لتسخين الطعام، أعلى قليلًا في الطاقة من الموجات التي تصدرها الهواتف المحمولة، لكنها تظل ضمن فئة الإشعاع منخفض الطاقة (4).
لاحقََا، لا يوجد دليل متسق وثابت يمكن اعادة تكراره وتأكيده بدراسات أخرى تثبت أن التعرض للإشعاع منخفض الطاقة يسبب مشكلات صحية للبشر، إذ قد تشير بعض الدراسات إلى نتائج معينة، بينما لا تجد دراسات أخرى نفس النتيجة، لذلك لا يمكن اعتبار هذه التأثيرات السلبية على البشر، نتيجةََ للتعرض للإشعاع الكهرومغناطيسي منخفض الطاقة، تأثيرات مؤكدة.
ومع ذلك، ظلت هناك مخاوف مشروعة تتعلق بالسلامة. فعلى سبيل المثال، يمكن لأفران الميكروويف أن تُسخّن الأغذية إلى درجات حرارة مرتفعة. لذلك، ورغم أن الدراسات لم تجد آثارًا صحية سلبية ثابتة من التعرض للمستويات المنخفضة من هذه الإشعاعات، فقد أسهمت هذه المخاوف في وضع معايير تنظم الأجهزة الإلكترونية (5) الاستهلاكية وتحديد الحد الأقصى لمقدار الإشعاع الذي يمكن أن ينبعث من هذه الأجهزة لضمان سلامتها للمستخدمين (6).
الأجهزة التي ينبعث منها إشعاعات منخفضة الطاقة، مثل أجهزة الراديو والهواتف المحمولة، لا تشكل خطرًا صحيًا موكدََا على الإنسان.
بالطبع، كان من المعروف أن الإشعاع الكهرومغناطيسي عالي الطاقة شديد الخطورة، إذ يمكنه إتلاف الخلايا والتسبب في الإصابة ببعض أنواع السرطان، مثل سرطان الدم (اللوكيميا) (7).
بالإضافة إلى الأحداث المثيرة التي وقعت خلال الحرب الباردة، مثل الاشتباه في أن الاتحاد السوفيتي وجه عمدًا إشعاعات المايكرويف نحو موظفي السفارة الأمريكية في موسكو (8)، وإصابة أحد السفراء بمرض اللوكيميا، أسهمت هذه الوقائع على الأرجح في تشكيل الرأي العام وإثارة مخاوف الناس من مختلف أنواع الإشعاعات، بما في ذلك الإشعاعات منخفضة الطاقة.
ومع الزيادة الكبيرة في استخدام الأجهزة الإلكترونية التي تنبعث منها إشعاعات منخفضة الطاقة، مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الواي فاي، خلال العقود اللاحقة، استمر القلق بشأن تأثير هذا الإشعاعات على صحة الإنسان على نطاق واسع، ولم يختفً، بل ربما ازداد انتشارًا مع ازدياد الاعتماد على هذه الأجهزة وانتشارها بمرور الزمن.
ماذا تناولت الدراسة الجديدة؟
هدفت المراجعات الثلاث عشرة التي طلبتها منظمة الصحة العالمية عام 2019 إلى تحديد ما نعرفه بالفعل وما لا نزال بحاجة إلى معرفته بشأن أي تبعات صحية محتملة للموجات الكهرومغناطيسية (2).
قام باحثون بمراجعة جميع الأدلة العلمية المنشورة المتعلقة بكل مشكلة صحية على حدة، ثم أعدّوا تقارير تلخص النتائج، إلى جانب تقييم جودة الأدلة العلمية ورصانتها. وشملت هذه المراجعات عددًا من المشكلات الصحية المختلفة، مثل الخصوبة، والأعراض، مثل الصداع أو طنين الأذن، والسرطان.
لكن منظمة الصحة العالمية لم تُكمل بعد تحليلها النهائي لهذه المراجعة التي طلبتها. لذلك، قام اثنان من مؤلفي المراجعة الخاصة بسرطان الدماغ بتلخيص نتائج مراجعتهما، إلى جانب نتائج المراجعات الأخرى. تعطينا هذه المراجعة الجديدة فكرة أو مؤشرًا مبكرًا عما يُتوقع أن تتوصل إليه منظمة الصحة العالمية في تقييمها النهائي، والنتائج التي يُرجح أن تعلنها المنظمة عند الانتهاء من تحليلها الكامل لهذه المراجعات العلمية (3).
ماذا وجدت الدراسة الجديدة؟
ركزت مراجعة الباحثين على العلاقة بين سرطان الدماغ واستخدام الهواتف المحمولة (9). ولتحقيق ذلك، حلّل الباحثان 63 دراسة نُشرت بين عامي 1994 و2022، ولم يجدوا أي اقتران بين استخدام الهواتف المحمولة والإصابة بسرطان الدماغ أو بسرطاني الرأس أو الرقبة.
كما أثبتت المراجعة أن النتائج لم تختلف باختلاف مقدار استخدام الشخص للهاتف المحمول، مثل عدد ساعات الاستخدام أو كثرة المكالمات، ومدة استخدامه عبر السنين (مثل استخدام الهاتف لمدة عشر سنوات أو أكثر). كذلك، لم تجد أي دليل يربط بين الإشعاعات المنبعثة من محطات بث الإذاعة أو التلفزيون وبين الإصابة بسرطان الدم (اللوكيميا) لدى الأطفال، وهو أحد المخاوف التي ساورت الناس لفترة طويلة.
معظم الأدلة العلمية المتوفرة محدودة أو جودتها منخفضة.
خلصت المراجعات الأخرى للدراسات الرصدية التي أُجريت على البشر إلى أنه لا توجد أدلة رصينة تفيد بأن التعرض للهواتف المحمولة أو غيرها من الأجهزة التي تنبعث منها موجات كهرومغناطيسية يؤثر في صحة الإنسان. بل وتوصلت هذه المراجعات أيضًا إلى أن كمية الأدلة المتاحة أو جودتها كانت ضعيفة جدََا، بالنسبة إلى العديد من الآثار الصحية، للوصول إلى استنتاجات علمية مؤكدة.
ويرجع ذلك إلى أن تأكيد وجود تأثير حقيقي ودقيق لأي عامل على صحة الإنسان أمر معقد وصعب، لأن صحة الإنسان تتأثر بالكثير من العوامل في الوقت نفسه (10)، مثل النظام الغذائي، وممارسة الرياضة او النشاط البدني، والعوامل الجينية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية (السوسيواقتصادية). لذلك لا يستطيع الباحثون بسهولة تحديد ما إذا كان الأثر الصحي ناتجًا عن استخدام الهاتف المحمول وحده أم عن عوامل أخرى، ما يجعل من الصعب عزل تأثير عامل واحد ودراسته بدقة.
ولحسن الحظ، حظيت الأدلة المتعلقة بسرطان الدماغ بأعلى تصنيف ممكن من حيث الجودة بالنسبة للدراسات الرصدية (وهي الدراسات التي يكتفي فيها الباحثون بمراقبة تأثير الموجات الكهرومغناطيسية في الأشخاص، من دون التدخل والتحكم في تحديد مستوى تعرضهم لها. أي لم يطلب الباحثون من الناس استخدام الهاتف المحمول لمدة معينة ولم يمنعونهم من استخدامه، بل راقبوا فقط مقدار استخدامهم الطبيعي في حياتهم اليومية، وبعد ذلك قارنوا التأثيرات الصحية بينهم لمعرفة ما إذا كانت هناك علاقة بين التعرض للموجات المنبعثة والإصابة بالأمراض في هذه الدراسة الرصدية،
كما أشار مؤلفو المراجعة إلى النقطة الأهم فيما يتعلق بسرطان الدماغ، وهي أنه لو كانت الهواتف المحمولة تزيد بالفعل من احتمال الإصابة بسرطان الدماغ، لكان من المتوقع أن ترتفع معدلات الإصابة بهذا السرطان بمرور الزمن. فلو كانت الهواتف المحمولة تسبب سرطان الدماغ، فمن المتوقع أنه بعد أن بدأ ملايين الأشخاص باستخدام الهواتف المحمولة يوميََا، فمن المفترض أن يزداد عدد المشخصين بسرطان الدماغ باضطراد عامًا بعد عام. بمعنى آخر، مع انتشار استخدام الهواتف المحمولة على نطاق واسع، كان ينبغي أن ترتفع معدلات الإصابة بسرطان الدماغ أيضًا.
لكن ما وجده الباحثون هو العكس؛ فرغم الانتشار الكبير للهواتف المحمولة، بقيت معدلات الإصابة بجميع أنواع سرطانات الدماغ، في استراليا مثلََا (11)، ثابتة ولم ترتفع. منذ ثمانينيات القرن الماضي، أي منذ فترة سبقت الانتشار الواسع والاستخدام المنتظم للهواتف المحمولة. وهذا يشير إلى عدم وجود زيادة في حالات سرطان الدماغ بالتزامن مع انتشار استخدام الهواتف المحمولة. لذلك أكدوا أن هذه النتيجة لا تدعم فكرة أن استخدام الهواتف المحمولة يزيد من احتمال الإصابة بسرطانات الدماغ.
الخلاصة:
كما ذكر المؤلفون في ملخص التقرير الصادر عنهم: “لا يمكن لأي دراسة علمية أن تثبت بشكل قاطع عدم وجود أي احتمال للإصابة بالسرطانات.” ولهذا كان أحد أهداف هذه المراجعات الصادرة من منظمة الصحة العالمية هو تحديد الجوانب التي ما زالت بحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة، حتى تُحدَّث إرشاداتها بخصوص التعرض للموجات الكهرومغناطيسية باستمرار بما يتماشى مع تطور التكنولوجيا.
ومع ذلك، فإن الخلاصة الأساس لهذه المراجعات هي أنه لم يوجد أي دليل علمي واضح يربط بين استخدام الهواتف المحمولة والإصابة بأي نوع من سرطانات الدماغ أو الرأس أو الرقبة. ومن المتوقع أن هذه النتيجة تطمئن الناس إلى أن الحدود الحالية المسموح بها للتعرض للموجات الكهرومغناطيسية تُعد، على الأرجح، آمنة.
الهوامش
1- https://science.nasa.gov/ems/01_intro/
2- https://www.who.int/teams/environment-climate-change-and-health/radiation-and-health/non-ionizing/emf/research-agenda
3- https://nzmj.org.nz
4- https://www.cancer.org/cancer/risk-prevention/radiation-exposure/cellular-phones.html
5- https://www.infrastructure.gov.au/media-communications-arts/spectrum/5g-and-eme/your-questions-answered/how-radiofrequency-eme-rf-eme-telecommunications-regulated-australia
6- https://www.arpansa.gov.au/regulation-and-licensing/regulatory-publications/radiation-protection-series/codes-and-standards/rpss-1-qa
7- https://www.cancer.gov/about-cancer/causes-prevention/risk/radiation
8- https://www.theguardian.com/us-news/2022/sep/15/us-hid-fears-of-radiation-directed-at-moscow-embassy-in-70s-documents-reveal
9- https://linkinghub.elsevier.com/retrieve/pii/S0160412024005695
10- https://www.cancer.nsw.gov.au/about-cancer/cancer-basics/cancer-risk-factors
11- https://bmjopen.bmj.com/content/8/12/e024489.full
المصدر الرئيس
https://theconversation.com/no-evidence-mobile-phones-cause-brain-cancer-new-study-287581




