
أمير الصالح
تمهيد
ما قبل تناول وليمة غداء، بعض الأقرباء والأعزاء الذين دعوتهم في أحد أيام الجمعة بأحد المنتجعات الزراعية، دار حديث عفوي بين الحضور، واشترك في الحديث تفاعلًا غالبية الحضور، وكان محور الحوار هو الإجابة على سؤال مفتوح: ماهي أكثر الأشياء التي تفتخر بإنجازها في حياتك؟
والطريف أن غالبية الحضور من المدعوين كانوا متقاعدين من العمل، والأطرف أن غالبية الذين استجابوا للدعوة هم شبه وجوه جديدة على الآخرين. شخصيًّا أدرت جزءًا من الحوار وكان الحوار يتضمن أمورًا شائقة ومثار تفكير لمفهوم الإنجاز عند البعض.
الحوار
كانت معظم الإجابات تتمحور حول الافتخار ب:
شهادات الأولاد والثروة والعلم والسمعة الطيبة وبر الوالدين والمنصب الوظيفي الذي تقلده بعضهم.
فمن الحضور من أجاب ببعض الأجوبة ومنهم من كرر الجواب نفسه، ومنهم من اعتذر واحتفظ بالجواب لنفسه، إلا أنني سجلت الأجوبة التاليه حسب ما أتذكر ما قاله البعض:
١- قد لا أقول إنني أفتخر ولكن آحمد الله بأنني إنسان عصامي حتى الساعة ولا لأحد فضل علي إلا الله سبحانه وتعالى في تكوين نفسي وقدراتي
٢- شخصيًّا أهاب من كلمة أفتخر لأنني لا أحب أن أفاخر ولكن مجازًا أقول أفتخر بحسن تربية الأبناء حتى أصبحوا ما بين مدرس وطبيب ومهندس وموظف مرموق وأخلاقهم ولله الحمد والمنة محترمة وسُمعتهم بين الناس مُشرفة
٣- أفتخر بتكوين وتمتلاك ثروة مالية معتبرة بالحلال تحفظ كرامتي وتحفظ ماء وجهي وكرامة وجه أبنائي من بعدي
٤-أنصح الأخرين أن يكونوا كما أنا حيث أصبحت مدير نفسي عبر الانخراط بالأعمال الحرة ولم أكن موظفًا عند أحد يومًا ما.
٥- أحمد الله أن أصبحت إنسانًا معطاءً للأهل والمجتمع والوطن عبر البذل دون أي أذى أو ضجيج صور وإعلام
٦-بحمد الله وفقت لتاليف مجموعة كتب فكرية هادفة، ولي مشاركات علمية/ أدبية إقليمية مرموقة..
٧- سهل الله لي أن سافرت حول العالم لأكثر من ٨٠ دولة من حر مالي ولم أحرم نفسي من شي حلال أحببته
٨- أفتخر ببر والداي واحترام زوجتي والعناية بأولادي
٩- حافظت بحمد الله على صحتي عبر الاستمرار بممارسة الرياضة والاعتناء بالأكل الصحي والابتعاد عن الأجواء النفسية الفاسدة وأصدقاء السوء
١٠- حققت طموحي وأهدافي في الحياة بكدحي وجهدي وإصراري والحمد لله على ذلك
١١- كنت وما أزال أدافع عن عقائدي وأفكاري وديني وهذا توفيق من الله.
١٢- أفتخر بأنني أمتلك منزلًا صيفيًّا بإحدى الدول الأوربية المرموقة إلى جانب منزلي في أرض وطني
١٤- وفقت على مدى عشرين سنة بالانخراط في أعمال التطوع الاجتماعي وشغل وقت فراغي بالتطوع حيثما يُتاح
١٥- بكل فخر واعتزاز خدمت وطني ٣٠ سنة في القطاع الصناعي والنفطي
١٦- أحمد الله بأني لا أقارن ما عندي بما عند الآخرين وإني أعيش القناعة قولًا وفعلًا، وأنا مرتاح
١٧- وفقت بأني ساهمت في إطلاق أو تبني مشاريع اجتماعية وأهلية متعددة
١٨- أفتخر بأن لدي أكثر من شركة تجارية وأكثر من عمارة.
١٩- أفتخر بنسبي وحسبي
٢٠- أفتخر باني أصبحت الآن مشهورًا في برامج السوشل ميديا
٢١- توفيق الله لي بأني أخدم زوار بيوت الله وضيوفه بدور العبادة (كادر) وكذلك الحجاج على مدى ١٥ موسمًا متتالين.
٢٢- أرعى وأتكفل بدار أيتام كامل وأسأل الله أن اكون مع النبي (ص) يوم القيامة
٢٣- بحمد الله بنيت مصنعًا ووظفت أكثر من ٢٠٠ موظف مواطن، وبذلك ساهمت في استقرار ٢٠٠ أسرة محليًّا فضلًا عن أسر المواطنين العرب والأجانب
طبعًا هناك أشخاص اعتذروا من المشاركة واكتفوا بالقول بأن ما يصنعونه يبقى بينهم وبين الله طمعًا في إحراز ثواب صدقة السر. واعتذر البعض بالتزام الصمت. وأكدت للجميع أن التحدث وعرض الأفكار دون أي رياء أو حب شهرة سيحفز الآخرين لمعرفة ابواب جديدة للخير . وشخصيًّا آرى لكل شخص إنجازات يفتخر بها ويحفز الآخرين لاتباعه دون أن يكون هناك أي رياء أو فشخرة أو منقصة أو تجريح أو تعرض لكرامة الآخرين.
السلوك والافتخار
عاصرنا بعض المتواضعين من الناس ممن سجلوا ويسجلون أنفسهم في سجل صنع أهل الفخر والعز في صمت دون جلبة أو تصفيق أو تصوير، ولا ينتشون بالمباهاة عند كل مجلس وكل مكان وكل تجمع. ولعل خبر وردني قبل عدة أيام عن جد ساهم في عمارة عدة مساجد حول العالم بصمت مطبق، ولم يعلم أبناءه وأحفاده وزوجته بذلك إلا بعد قرون من رحيله!! وهذا لعمرك لمصداق لصدقة السر. بينما شاهدنا بعض المغرورين، يُبتلى وسطهم الاجتماعية بهم بسبب كثرة افتخارهم وزهوهم في أي حقل يخوضون الحديث فيه أو أي تجمع يحضرونه أو أي نُزل ينزلونه. فهل هذا من الشيم المتعارف عليها أم أنها صرعة وموجة وترند سرعان ما يخفت بريقها ! فالناس تعرف من يستحق الاعتزاز به وإن لم يصفقوا له أو يحضروا ولائمه.
الخلاصة
الثروة من المال والمنصب الوظيفي العالي والفخامة في الأكل والسفر والشهادات الأكاديمية العالية تعطي شعور الافتخار لدى صاحبها وبعض المستفيدين من حوله، ولكن ما يبقى بين الناس، عامة الناس، كمحطات افتخار هي الآثار المحمودة والبصمات الواقعية في حياتهم هم للأشخاص الذين تعاملوا معهم أو شعروا بآثارها فيهم كالأخلاق الحميدة والمعاملات الراقية والسلوك الحسن وأداء الامانة وصدق الحديث وحسن النصيحة وجميل المبادرة ومد يد الإحسان لمستحقيها والذرية الصالحة والمساهمات الطيبة والمبادرات الخلاقة.
التوصية: لا بأس بان يًغذي الوالدان أبناءهم على حب ما لديهم من أموال وأملاك وبساتين ومتاجر وعمائر وعقارات، ولكن ليس إلى حد التفاخر والتباهي على الآخرين أو التهكم عليهم. ولا باس أن يعزز الوالدان الإنفاق على أولادهم بسخاء، ولكن ليس إلى حد التسيب والهروب من المسؤولية والاكتفاء بالتغني بما صنعه الأسلاف والتهكم على من هم أدنى منهم دخلًا أو وضعًا.
الآن السؤال لك عزيزي القارئ: هل فكرت يومًا ماذا صنعت في شبابك أو ستصنع فيما بقي من عمرك لتفتخر به في قادم سنينك أو عبر الأجيال؟!





