أقلام

خرابيش مريض71 أنا بخير

عبد الكريم النمر

لم تذهب المعلمة ليلى إلى المستشفى لأنها كانت مريضة، ولم تكن تبحث عن علاج ولا تشكو من ألم محدد.

كل ما في الأمر أنها ذهبت مجاملةً وحياءً، وطلبًا خرج من قلبٍ مخلص.

ولم تكن تعلم أن مجاملة بسيطة، لا تستغرق دقائق معدودة، ستغيّر شيئًا ظل سنواتٍ يلازمها حتى ظنته جزءًا من طبيعتها.

كانت ليلى من أولئك المعلمات اللاتي يندر أن يختلف عليهن اثنان.

من أكثرهن اجتهادًا ونشاطًا وإخلاصًا في المدرسة. تحضّر دروسها بإتقانٍ ملفت، وتتابع طالباتها باهتمام.

مجتهدة، مخلصة، لا تدخل فصلها إلا وقد أعدت له كل شيء، ولا تغادره إلا وقد أعطت طالباتها ما تستطيع من علمٍ واهتمام.

حتى أصبح حضورها في المدرسة مصدرًا للألفة قبل أن يكون مصدرًا للتعليم.

ولكن خلف هذا النشاط كان هناك سر صغير لم تنتبه إليه ليلى، بينما كانت تراه زميلاتها كل يوم.

فما إن تنتهي حصتها الدراسية، ويحين لها وقت فراغ، حتى تضع رأسها على أقرب طاولة، أو تبحث عن زاوية هادئة في غرفة المعلمات، ثم تستسلم للنوم في لحظات.

ولم يكن ذلك يحدث يومًا أو يومين، بل كان مشهدًا متكررًا حتى اعتادت عليه زميلاتها، كما اعتادت هي نفسها على ذلك الإرهاق الذي لم يفارقها منذ سنوات.

في أحد الأيام قالت سعاد وهي تجمع أغراضها استعدادًا للانصراف: “ما رأيكن أن نزور منتهى الليلة؟

الحمد لله… فتحت استقبال ما بعد الولادة.”

رحبت المعلمات بالفكرة، ثم التفتت سعاد إلى ليلى:

“وأنتِ معنا.”

ابتسمت ليلى ابتسامة اعتذار:

“والله يا سعاد… أتمنى، ولكني إذا رجعت من المدرسة… أتناول طعامي بسرعة كي أستلقي على سريري وأنام، ولا أدري هل أستطيع أن أستيقظ للذهاب معكن أم لا.”

استغربت سعاد: “إذن لا نذهب عصرًا… نذهب أول الليل.”

ابتسمت ليلى:

“حتى بالليل أنام بدري.”

ضحكت سعاد:

“أجل… أنتِ مريضة.”

انفجرت الضحكات في المكان، وضحكت ليلى معهن وهي تهز رأسها:

“لا… الحمد لله… أنا بخير.”

ولم تكن تدري أن تلك الجملة سترافقها حتى نهاية الحكاية.

بعد شيء من الإلحاح وافقت ليلى على أن تكون الزيارة قصيرة.

قالت ممازحة:

“لا تطولون الجلسة… أخاف ما تشوفوني إلا نمت عليكم.”

فضحكت المعلمات، واتفقن على الموعد.

في أول الليل اجتمعن في منزل زميلتهن منتهى، وبين التهاني والضحكات وأكواب القهوة، كانت تجلس أخت منتهى، خلود، وهي ممرضة تعمل في أحد مستشفيات المحافظة.

ومثل كل جلسة لا تخلو من المزاح، انتقل الحديث بعد قليل عن ليلى.

قالت إحدى المعلمات مبتسمة:

“إذا أردتِ أن تعرفي ما هو النوم… اسألي ليلى.”

ضحكت خلود، ثم التفتت إليها:

“لهذه الدرجة؟”

قالت سعاد: “لو سكتنا عنها خمس دقائق بس… نامت.”

ابتسمت خلود، ثم بدأت تسأل ليلى بهدوء:

“منذ متى وأنتِ تشعرين بهذا التعب؟”

“من سنوات.”

“هل تشعرين أحيانًا بدوخة؟”

“أحيانًا.”

“وتنامين ليلًا نومًا كافيًا؟”

“نعم… بل أنام مبكرًا أيضًا.”

صمتت خلود لحظة، ثم قالت بلطف:

“غدًا مرّي عليَّ في المستشفى، فهو قريب مررررررره من مدرستكم.”

ضحكت ليلى:

“ليش؟”

قالت:

“تحليل هيموغلوبين فقط… ولن يأخذ من وقتك عشر دقائق.”

هزت ليلى رأسها مبتسمة:

“الحمد لله… ما فيني إلا العافية.”

ولكن خلود لم تتراجع، وزميلاتها كذلك. وبعد إلحاح وافقت ليلى على مضض، لا لأنها شعرت أنها مريضة، بل لأنها لم تستطع أن ترد طلبًا خرج من قلبٍ صادق.

في صباح اليوم التالي، كانت ليلى كلما تذكرت وعدها للممرضة خلود قالت في نفسها:

ما الذي سأستفيده من تحليل، وأنا الحمد لله بخير؟

ولكنها، في الوقت نفسه، لم تشأ أن تخلف وعدًا قطعته على نفسها.

وحين انتهت الحصة الرابعة، جاءت سعاد تحمل حقيبتها:

“هيا… هيّا… الموعد.”

ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة:

“كنت أتمنى أن أنام هذه الحصة… لكن يبدو أن نصيبي اليوم المستشفى.”

ضحكت سعاد وهي تمسك بذراعها برفق:

“عشر دقائق فقط… وبعدها أعيدك إلى المدرسة قبل أن يفتقدوك.”

خرجتا معًا، ولم يستغرق الطريق سوى دقائق قليلة. وكان المستشفى قريبًا من المدرسة إلى درجة أن ليلى قالت وهي تنظر إلى المبنى:

“غريب… طوال هذه السنوات وأنا أمر من هنا، ولم أتخيل يومًا أنني سأدخله.”

كان في صوتها شيء من التردد، وشيء أكبر من الخوف

استقبلتهما خلود بترحاب كبير، وكأنها تعرفهما منذ زمن. لم تطل الإجراءات. ابتسمت وهي تقول:

“أخبرتكِ… لن نسرق من وقتك إلا دقائق.”

سحبت عينة صغيرة من الدم، ثم قالت وهي تودعهما:

“إذا ظهرت النتيجة، سأتصل بك.”

في مساء ذلك اليوم، رن هاتف ليلى.

كان الاسم الذي ظهر على الشاشة:

“خلود.”

أجابت بهدوء.

“نتيجة الهيموغلوبين وصلت.”

انتظرت ليلى أن تسمع كلمة: طبيعي. لكنها سمعت رقمًا فقط:

“ليلى… نتيجة الهيموغلوبين عندك 6.8.”

ساد الصمت للحظات. كانت تعرف الأرقام، ولكنها لم تكن تعرف ماذا يعني هذا الرقم.

قالت باستغراب: “يعني… ماذا؟”

قالت خلود: “يعني منخفض جدًا.”

ثم أردفت:

“وأعتقد أنه السبب في كل ذلك التعب والنعاس الذي يلازمكِ.”

لم تجب ليلى. كانت تسمع الكلمات، لكنها في داخلها كانت تسمع صوتًا آخر؛ ذلك الصوت القديم الذي كان يهمس لها كلما سمعت كلمة “مستشفى”:

“إذا دخلتِ هذا الطريق… فلن تخرجي منه.”

وكأن بابًا كانت تحرص على إبقائه مغلقًا قد فُتح فجأة.

أكملت خلود:

“أريدكِ أن تحجزي موعدًا مع طبيب الباطنية في أسرع وقت.”

لم تقل ليلى إلا كلمة واحدة:

“إن شاء الله.”

وأغلقت الهاتف.

في صباح اليوم التالي، كانت سعاد تنتظرها.

قالت:

“حجزت لك موعدًا، وغدًا سأذهب معكِ.”

صمتت ليلى لحظات.

“غدًا ستذهبين معي؟

لكن بعد غدٍ… وبعد بعد غدٍ؟”

ثم ابتسمت ابتسامة حزينة:

“كنت دائمًا أقول: الذي يبدأ مع المستشفيات… لا ينتهي منها.”

لم تعرف سعاد ماذا تقول. كل ما فعلته أنها أمسكت بيد صديقتها.

“إن شاء الله لن يكون إلا خيرًا.”

لكن ليلى لم تكن تسمع هذه العبارة. كانت تسمع خوفها وهو يكبر بصمت.

دخلت ليلى العيادة بخطوات بطيئة، بينما كانت سعاد تسير إلى جوارها، وكأنها تخشى أن تتركها وحدها مع كل ذلك القلق.

استقبلهما الطبيب بابتسامة هادئة، ثم أشار إليهما بالجلوس.

رفع ملف التحاليل، وألقى نظرة سريعة عليه، ثم رفع بصره إليهما وابتسم.

“أيكما ليلى؟”

ساد الصمت للحظة، ثم أشار إليها بثقة.

“أنتِ.”

اتسعت عيناها دهشة.

“كيف عرفت؟”

ابتسم الطبيب.

“بعض التحاليل يظهر في الأوراق… وبعضها يظهر على الوجوه.”

لم تفهم ليلى قصده تمامًا، لكنها ابتسمت على استحياء.

كان شحوب وجهها قد سبقها إلى الطبيب، قبل أن تسبقه نتائج التحاليل.

اطلع الطبيب على نتيجة الهيموغلوبين، ثم بدأ يسألها عن تعبها، ونومها، وطبيعة عملها، والأعراض التي ترافقها منذ سنوات.

وبعد أن انتهى قال بهدوء:

“سنحتاج إلى بعض التحاليل الإضافية حتى نعرف السبب.”

ثم كتب الطلبات، وحدد لها موعدًا بعد ثلاثة أيام.

خرجت ليلى من العيادة وهي تحمل ورقة الموعد بيد، وقلقها باليد الأخرى.

همست لسعاد:

“ثلاثة أيام…”

ثم سكتت.

وبعد لحظات قالت:

“لماذا لم يقل غدًا؟”

لم تجد سعاد جوابًا.

أما ليلى فقد وجدت عشرات الإجابات، كلها مخيفة.

كانت تلك الليالي الثلاث أطول ليالٍ مرت عليها.

ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن النوم الذي اعتاد أن يختطفها في كل مكان يؤنسها، بل كانت تفتح عينيها كل فترة على أفكار جديدة:

ماذا لو كان مرضًا خطيرًا؟

ماذا لو احتجت إلى عمليات؟

ماذا لو أصبحت أسيرة المستشفيات التي كنت أهرب منها طوال عمري؟

كانت الأفكار تتزاحم في رأسها حتى أصبح الليل أطول من أن يُحتمل، حتى إن النوم الذي كان يرافقها دائمًا هجرها تلك الليالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds