
المترجم : عدنان أحمد الحاجي
بقلم ارثار ماركمان، برفسور جامعة تكساس في أوستن
الناس يحبون الإطراء (الثناء / المدح (1)). ويحبون أن يقال لهم إنهم يبلون بلاءً حسنًا، وأن جهودهم موضع تقدير، وأنهم يمثلون عنصرًا مهمًا ومتعاونًا في الفريق. ويحبون هذا الثناء والتقدير كثيرًا لدرجة أنه قد أصبح جزءً لا يتجزأ من ثقافتهم. مدارسنا تعطي الطلاب الوفير من الفرص للحصول على التقدير اللازم على إنجازاتهم، سواء أكانت إنجازات معتبرة أم بسيطة.
لكن مشكلتنا مع الثناء هو أننا لم نستفد منه كثيرًا.
عندما يحصل دماغنا على مكافأة (دماغنا يتعامل مع اطراء الآخرين لنا كما يتعامل مع المكافأة)، يرغب في تكرار هذا الفعل مرة أخرى. لو رغبنا في تعزيز أو ترسيخ سلوك معين، فإن الإشادة بهذا السلوك يعد وسيلةً رائعةً لتحقيق ذلك. الجدير بالذكر، المكافأة هي أي مؤثر أو حدث أو نشاط له القدرة على جعل الشخص يقترب منه ويمارسه، بل ويكرره (2). ولذلك، المدح من شأنه أن يكرس تشكَُل العادات،
لكن التكرار يؤسس لعادات؛ والعادات لها دلالة على الثبات والإستقرار وعدم النمو. النمو يتمثل في التغيير الى الأفضل ويعتمد على قدرة المرء على التقدم في حياته المهنية (وقدرته على مساعدة زملائه على التقدم في حياتهم المهنية أيضًا) . ولذلك، يحتاج إلى اكتشاف مهارات أو قدرات لم يتقنها بعد. وما هو أكثر أهمية من ذلك هو أنه بحاجة إلى أن يتحرى عن مهارات او قدرات كان يعتقد أنه قد أتقنها، بينما قد يحتاج أن يعمل على تحسينها أكثر.
لدى الأشخاص الأكثر خبرة في أي مجال سمة مشتركة. يحبون أن يُقيَّموا (يوجّه انتقاد أو نقد إلى عملهم (3، 4).)، ويرغبون في معرفة ماذا يمكنهم فعله لتحسين أدائهم أو مهاراتهم في المستقبل. ويوظفون النقد الموجه إليهم(3، 4) بطريقة بناءة – بغض النظر عن قصد الناقد (4).
للاستفادة من النقد بفعالية، من الأهمية بمكان أن يبدأ المرء بمعرفة تفاعله معه (ردة فعله عليه). في كثير من الأحيان، يبدأ المنتَقَد وكأنه يشعر بصفعة موجهة لاعتزازه بنفسه. قد يكون هذا مؤلماً من الناحية المادية لو وجد أنه بحاجة إلى التغيير الى الأفضل، ما يشي بطبيعة صعوبة الخروج من منطقة الراحة comfort zone ، وهي حالة سلوكية يمارسها الشخص بلا توتر أو شعور بالخطر بسبب اعتياده على ممارستها ضمن إطار روتيني محدد، ما ينتج عن ذلك تكيّف ذهني يعطيه شعورًا غير واقعي بالأمان، ولكنه يحد من قدرته على التقدم والإبداع (5).
وقد يتحول هذا الألم بسرعة إلى غضب موجه إلى نفسه أو إلى الشخص الذي قدم له ملاحظات سلبية (نقدًا / تقييمًا سلبيًا). للتعافي من هذه الصدمة والخروج منها، عادةً ما يبدأ المرء باتقائها وذلك بممارسة الدفاع الإتقائي عن أفعاله أو الاندفاع إلى الهجوم على الناقد. ردود الفعل السيئة هذه ستقود أي شخص آخر ينوي تقييم (انتقاد) أفعال غيره إلى التفكير مرتين قبل أن يقدم على ذلك، ويذكر له أي شيء يحتاج إلى العمل على إصلاحه (تحسينه) في المستقبل.
ولكن عندما تتعرض إلى انتقاد (تقييم سلبي) من شخص آخر، عليك أن تبدأ بابتسامة (حتى لو كان عليك أن تتصنعها في البداية). اشكر الشخص على ملاحظاته. وبإمكانك حتى أن تطرح بعض الأسئلة على الناقد لمعرفة المزيد عما لاحظه وماذا كان السبب الداعي لانتقاده. قاوم أي رغبة منك في التبرير له لماذا فعلت ما فعلت. فقط استمع له. ثم، لا تصرف بأي شيء بناءً على هذه المعلومات لمدة يوم تقريبًا. ولكن حينها، قد ترغب في التفكير في مضمون النقد بجد، بل وتحمل، من أجل ذلك، الأذى أو أن تضمر الغضب.
ولكن نم تلك الليلة نوماً جيداً. يتبين أن النوم يساعد في الواقع على عزل ردود الأفعال الانفعالية على حدث ماعن محتواه المفهومي. لذا، بعد أن تصحو من النوم، ستتمكن فعلًا من التفكير في الإنتقاد الموجه إليك بلا حساسية أو إستياء.
بعد ذلك، اهتمّ بما قيل لك. هل سمعت بهذا الكلام في السابق؟ ربما تتعلم شيئًا جديدًا عن نفسك. ابدأ في إيلاء المزيد من الاهتمام لهذا الجانب من أدائك وانظر ما إذا قد لاحظت بنفسك ما قيل لك من قِبل شخص آخر.
بعد ذلك، اعمل على أن تحسن من أدائك. في بعض الحالات، قد تعرف بالضبط ما تحتاج أن تفعله حتى تحسِّن من أدائك. ولكن في كثير من الحالات ستحتاج إلى بعض المساعدة. ابحث عن زميل، أو صديق، أو مدرب، أو مشرف. اطلب منه العمل معك لتصميم برنامج لدعم تحسين أدائك ونموك وتقدمك.
إذا وضعت هذا البرنامج موضع التنفيذ، فسوف تكتشف أنك حققت ثلاثة أشياء رائعة. أولاً، ستكون منتجاً أكثر في عملك، لأنك ستعمل على إصلاح بعض أوجه القصور لديك. ثانياً، ستلاحظ أنك أصبحت أقل حساسية تجاه إنتقاد الآخرين لك. ولذلك قد تجد أنك لم تعد بحاجة إلى التفكير في نصيحته طويلًا إلى اليوم التالي قبل أن تأخذ إجراءً ما حيالها، بل تهتم بها وتفكر فيها في الحال بدون أن تشعر بالإرباك أو الضيق. أخيرًا، ستلاحظ أنك أصبحت أكثر انتقادًا لذاتك من غيرك. وبالنتيجة، ستراقب سلوكك أكثر مما يراقبه غيرك. كلما زادت ملاحظاتك لحدود ما في مقدورك فعله، زادت فرص النمو التي تخلقها لنفسك. بعبارة أخرى، كلما زادت ملاحظاتك لأوجه القصور لديك، حفزك ذلك على العمل لسد هذه الثغرة، وذلك لأن الإنسان بطبيعته يسعى دائمًا نحو الكمال.
الهوامش:
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/مدح
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/نظام_المكافأة_في_الدماغ
3- https://ar.wikipedia.org/wiki/نقد
4- https://ar.wikipedia.org/wiki/ناقد
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/منطقة_الراحة
المصدر الرئيس
https://www.fastcompany.com/90324057/how-our-brains-process-praise-and-why-its-killing-our-potential?utm_source




