
أحمد الخرمدي
وقف الرجل في سوقٍ هادئ، يتأمل صندوقًا مليئًا بحبات البرتقال الندية. كانت الثمار متجاورة، يكسوها لونٌ واحد، وكأنها تعيش في وئامٍ لا تعرف معنى الخصام.
اقترب شخص يحمل سكينًا لامعة، فظن الناس أنه سيقشر ثمرة، أو يهيئ طعامًا لعائلته؛ فالسكين خُلقت لتكون عونًا للإنسان، لا سببًا في ألمه.
لكن ما حدث كان مختلفًا.
أمسك أول ثمرة، وشقها بقسوة، ثم انتقل إلى الثانية، فالثالثة، حتى تناثرت قطع البرتقال في كل اتجاه. لم يكن بحاجة إلى ذلك، ولم يكن جائعًا، بل كان يجد متعة غريبة في تمزيق كل ما هو جميل.
ساد الصمت، ووقف المتفرجون يراقبون المشهد. قال بعضهم: «إنها مجرد ثمار»، وآثر آخرون الصمت، ظنًا منهم أن الأمر لن يتجاوز ذلك. غير أن رجلًا مسنًا كان يقف في طرف السوق هزَّ رأسه بأسى، وقال: «أنتم لا ترون إلا البرتقال، أما أنا فأرى شيئًا آخر».
التفتت إليه الوجوه، فقال: «هذه الثمار تشبه الأوطان؛ متجاورة، لكل واحدة منها مكانها وحقها في الحياة. أما السكين، فليست سوى القوة حين تقع في يدٍ فقدت الحكمة والرحمة».
ولم يكد يتم حديثه حتى رفع الرجل سكينه من جديد، لكنه هذه المرة لم يتجه نحو ما تبقى من البرتقال، بل التفت إلى الصندوق المجاور، ثم إلى من كانوا يقفون قريبًا منه. عندها أدرك الجميع الحقيقة التي غابت عنهم منذ البداية؛ فاليد التي اعتادت الاعتداء لا تعرف حدودًا، ومن يبرر لها أول خطوة قد يصبح ضحية خطوتها التالية.
اقترب الشيخ من السكين الملقاة على الأرض بعدما سقطت من يد صاحبها، فحملها بهدوء، وقال: «ليست هذه هي المذنبة، فقد صُنعت لتخدم الإنسان، ولكن الإنسان هو من يختار أن يجعل منها وسيلة للبناء أو للهدم».
ثم أعادها إلى غمدها، وأضاف بصوتٍ امتزجت فيه الحكمة بالألم: «إن الأمن لا يصنعه الخوف، ولا يحفظه الصمت، وإنما تصونه العدالة، وتحرسه الحكمة، ويثبته احترام الإنسان، وحق الشعوب في الأمن والكرامة. فإذا انحرفت الأداة في يد صاحبها، كان الواجب أن تُقوَّم اليد قبل أن يمتد شرها إلى الجميع».
ومنذ ذلك اليوم، ظل أهل السوق يرددون فيما بينهم: «ليست الأداة هي التي تفسد، وإنما اليد هي التي تنحرف عن رسالتها».





