أقلام

بين التفضيل والتكريم

عواطف الجعفر

في خضم الجدل الدائر حول الحركات النسوية والرجولية، سواء على منصات التواصل الاجتماعي أو في واقع الحياة، تتصاعد موجات من النقد والتحليل تارة، والسخرية والمبالغة تارة أخرى، حتى يبدو الأمر وكأنه صراع لا ينتهي بين الرجل والمرأة. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا تحولت العلاقة التي أرادها الله علاقة تكامل إلى ساحة تنافس وصراع؟

إن التأمل الهادئ يكشف أن قضية التفضيل والتكريم ليست حكرًا على المرأة ولا على الرجل، وإنما هي قضية مرتبطة بالإنسان في جوهره، وبما يحمله من إيمان وأخلاق وعطاء.

فالمرأة والرجل يشتركان في أصل الخلقة والإنسانية، ويتساويان في الكرامة الإنسانية، ويملكان المشاعر والعقل والفكر والقدرة على التعلم والإبداع، ولكل منهما حقوق وعليه واجبات. أما الاختلافات بينهما في الجوانب الجسدية والنفسية وبعض الخصائص الفطرية، فلم تكن عبثًا ولا دليلًا على أفضلية أحدهما على الآخر، وإنما جاءت لتُحقق التكامل بينهما، فيحتاج كل واحد منهما إلى الآخر.

فاختلاف طريقة تفكير المرأة عن الرجل ليس تفضيلًا لأحدهما، وإنما هو تنوع يثري الحياة ويحقق التوازن. وكذلك القوة البدنية التي يتميز بها الرجل في الغالب ليست وسام تفوق، بل هي مسؤولية أودعها الله فيه لخدمة أسرته وحمايتها، كما أن ما تمتلكه المرأة من خصائص عاطفية وتربوية يمثل جانبًا مكملًا لا غنى عنه في بناء الأسرة والمجتمع. وهكذا يمكن فهم بقية الفروق الفطرية على أنها عناصر تكامل لا أدوات للمفاضلة.

ومن الأخطاء الشائعة تصوير المرأة الناجحة على أنها تلك التي تفرض نفوذها على الرجل، أو تهمل بيتها وزوجها وأبناءها في سبيل تحقيق ذاتها. فهذا التعميم غير منصف، وإن كانت هناك نماذج فعلت ذلك، كما توجد نماذج من الرجال انشغلوا عن أسرهم بمصالحهم الشخصية أو المادية، فأهملوا مسؤولياتهم الأسرية. وكلا النموذجين مرفوض شرعًا وعقلًا واجتماعيًّا؛ لما يترتب عليه من آثار سلبية في استقرار الأسرة وصلاح المجتمع.

إن القوة الحقيقية للمرأة لا تتمثل في منافسة الرجل أو إقصائه، وإنما في قدرتها على تحقيق التوازن بين حقوقها وواجباتها، وبين طموحها ورسالتها الأسرية، وفق ما شرعه الله تعالى وما تؤيده القيم الإنسانية والعلم الرشيد. وكذلك الرجل القوي ليس من يفرض سلطته، وإنما من يؤدي مسؤولياته بعدل ورحمة، ويحفظ حقوق أسرته ويكون قدوة في أخلاقه.

ولقد سجل التاريخ نماذج مشرقة لنساء عظيمات جمعن بين الرسالة الأسرية والدور الحضاري، فكانت السيدة خديجة الكبرى عليها السلام سندًا لرسول الله صلى الله عليه وآله في أصعب مراحل الدعوة، وكانت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام شريكة الإمام علي عليه السلام في بناء الأسرة الرسالية، وجسدت السيدة زينب عليها السلام أعظم صور الثبات والتضحية في حفظ رسالة الإمام الحسين عليه السلام. وفي عصرنا الحاضر أيضًا برزت نساء كريمات استطعن النجاح في ميادين العلم والدعوة والعمل الاجتماعي، مع المحافظة على القيم الدينية واستقرار الأسرة. وينطبق الأمر نفسه على رجال أفاضل جمعوا بين النجاح المهني والقيام بحقوق أسرهم ومجتمعاتهم.

ومن المؤسف أن يستهين البعض بأهمية تقدير الزوجة، حتى يستنكر مجرد شكرها على إعداد الطعام أو رعاية الأسرة، خاصة في المواسم التي يزداد فيها الجهد كشهر رمضان. والحقيقة أن التقدير حاجة نفسية لكل إنسان، رجلاً كان أو امرأة، والكلمة الطيبة صدقة، ومن شكر الناس فقد شكر الله، ومن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق.

إن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على ميزان الحقوق والواجبات، بما يتناسب مع طبيعة كل منهما ودوره، ولا تستقيم إلا إذا أُديت هذه الحقوق والواجبات بروح التعاون والرحمة، في ظل المنهج الإلهي الذي احترم خصوصية كل من الرجل والمرأة، وأرسى بينهما العدل والمودة والرحمة.

أما الدعوات التي تصوّر المرأة أسيرة للرجل، أو تلك التي تزعم أن البقاء للأقوى فيكون للرجل وحده، فهي في حقيقتها دعوات متطرفة على طرفي نقيض. فهي تسعى إلى تجريد العلاقة بين الرجل والمرأة من بعدها الإنساني والروحي، وتحويلها إلى علاقة مادية قائمة على المنفعة والمنافسة، فينشغل الطرفان بجمع المال ومظاهر الحياة، بينما تتزعزع الأسرة وتضعف الروابط الاجتماعية. كما أنها تحاول إبعاد العلاقة الزوجية عن المنهج الإسلامي الذي ضمن الحقوق، وحدد الواجبات، ورسم لكل من الرجل والمرأة دوره في بناء الحياة الخاصة والعامة.

▪️وفي الختام، فإن الحركة النسوية والحركة الرجولية ينبغي أن تكونا مشروعاً لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع، لا مشروعًا للصراع وتبادل الاتهامات. فالتفضيل الحقيقي عند الله لا يقوم على الذكورة أو الأنوثة، وإنما يقوم على التقوى والاستقامة وحسن الخلق والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

ومن أراد الفوز في الدنيا والآخرة، فليجعل ميدان المنافسة هو بناء النفس، وإصلاح الأسرة، وخدمة المجتمع، وليحرص على ترتيب الأولويات، والتعاون على البر والتقوى، بعيدًا عن روح الاستعلاء أو الظلم أو الانتقاص من الآخر. فالتوازن والعدل، والتمسك بالقيم، واحترام الفطرة التي خلق الله الناس عليها، هو الطريق الأمثل لعلاقة مستقرة، وأسرة متماسكة، ومجتمع مزدهر

والتفضيل الحقيقي

ليس الرجل أفضل لأنه رجل، وليست المرأة أفضل لأنها امرأة.

الأفضل هو من كان أكثر تقوى، وأحسن خلقاً، وأصدق أداءً للأمانة، وأعظم نفعًا لعباد الله.

إن قيمة الإنسان لا تُقاس بجنسه، وإنما بما يقدمه من خير، وما يتركه من أثر، وما يغرسه من قيم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds