
السيد فاضل آل درويش
من معالم النفس المطمئنة حالة التواضع مع الحق، والبساطة في التعامل مع الناس، وهذا الخلق الرفيع هو نتاج المعرفة بالنفس وضعفها وافتقارها إلى التسديد والتدبير الإلهي. فالتواضع في المنظور القرآني والروائي هو ثمرة مباشرة لشهود عظمة الحق سبحانه في القلب، وانعكاس ذلك على حركة الجوارح، فكلما ارتقى الإنسان في مدارج معرفة الله تعالى، انكشفت له حقيقة فقره الذاتي، واضمحلت في وجدانه أوهام الاستقلال والاقتدار والكمال، وحينئذ يكون التواضع ضرورة وجودية تشير إلى وعي في الفكر، واتزان نفسي ووجداني، واستقامة سلوكية، لا تكلفًا أخلاقيًّا.
ولقد كان الإمام السجاد (ع) في أعلى درجات التواضع القيمي والتربوي، بما ينعكس شموخًا في مقامه العرفاني؛ مقام ينبثق من الرؤية القرآنية وما تحمله من معارف ومنهجية أخلاقية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: ١٥).
فمن سكنت في نفسه المعرفة بالله تعالى لا ينظر إلى نفسه بمنظار القدرات والإمكانات المتاحة لديه، ولا بما أوتي من علم أو عبادة أو شرف أو مكانة اجتماعية، بل ينظر إليها من حيث افتقارها المطلق إلى فيض الوجود الإلهي في كل تفاصيل حياته.
والإمام السجاد (ع) بلغ من شهود جلال الله تعالى ما جعله لا يرى لنفسه مقامًا إلا مقام العبودية والاعتصام بالقدرة الإلهية، فعبادته (ع) تفوح بعطر التواضع والطمأنينة والخلق الرفيع؛ لأن المعرفة الحقيقية لا تورث الاعتزاز بالنفس، وإنما تورث الخشية والانكسار.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾( فاطر: ٢٨).
فالخشية نابعة من معرفة بمقام الألوهية، ونظر إلى تجليات القدرة والنظام الكوني. وهي الهيبة الناشئة عن إدراك عظمة المعبود، ومن أدرك هذه العظمة استصغر كل عظمة دنيوية ناشئة عن قدرة أو مال أو جاه، بل استصغر نفسه أمام عظمة الله تعالى.
وعند التمعن والتأمل في الروايات الشريفة، نجد في مضامينها وتوجيهاتها ما ينبه العقل الواعي، ويورثه المعرفة بحقائق الأمور، فهناك ارتباط وثيق بين المعرفة بالله تعالى وتواضع النفس، مهما أوتي الإنسان من قدرات. فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع): (ثمرة العلم معرفة الله)(غرر الحكم ودرر الكلم ج ١ ص ٣٢٦).
فالعلم الذي لا يورث تواضعًا للحق، وقبولًا للنصيحة، وتقديرًا للآخرين، وحفظًا لحقوقهم، ليس علمًا موصلًا إلى الله تعالى، وإنما هو مجرد معلومات تسكن العقل البشري على هيئة تصورات ورؤى، ولكنها لم تنفذ إلى القلب، ولم تترسخ فيه كسلوكيات مستدامة.
ومن أروع تجليات هذا المقام ـ مقام المعرفة ـ ما روي عن الإمام السجاد (ع) في طريق محراب العبودية، وتجسيد المعرفة النظرية في السلوك العملي. فقد ورد عن أبي جعفر الباقر (ع) في وصف عبادة أبيه الإمام السجاد (ع): وكان إذا توضأ اصفر لونه… وإذا قام إلى الصلاة أخذته الرعدة، فقيل له في ذلك، فقال: أتدري إلى من أقوم، ومن أريد أن أناجي؟ (بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٩٣).
فهذا الاضطراب الإيجابي ليس خوفًا ناشئًا عن الجهل والغفلة والتيه، بل هو هيبة العارف الذي استحضر جلال الحضرة الإلهية في لحظات صفاء الذهن ونقاء النفس، فغابت نفسه في شهود عظمة ربها، وتفكر في آلائه وألطافه، ولم يبق فيها موضع للإعجاب أو الكبر، بعدما استشعر حقيقة الافتقار إلى الرحمة الإلهية، وضعف النفس البشرية.
وهكذا تتجلى (مهابة المعرفة) في أسمى صورها: فكلما ازداد الإنسان معرفة بالله تعالى، ازداد شعورًا بفقره إليه، وكلما ازداد شهودًا لعظمته، ازداد تواضعًا لعباده، حتى يصبح التواضع ثمرة طبيعية للمعرفة، لا مجرد فضيلة يتكلفها الإنسان في سلوكه.





