أقلام

خلوق في كتبه فقط

يوسف الحسن

عندما يذكر اسم جورج أورويل، يحضر في البال على الفور اسم الرجل الأكثر أخلاقيةً في آداب القرن العشرين. إنه الكاتب الذي قاتل الديكتاتوريات في الحرب الأهلية الإسبانية، والمؤلف الساحر الذي هدم صورة المخابرات السوفييتية في كتابه (1984)، والمفكر الذي لا تزال أسطورته الجميلة (مزرعة الحيوان) تُقرأ وتُدرس في أنحاء العالم.

ولكن مع هذا كله فقد كانت علاقة هذا الكاتب بزوجته الأولى (إيلين أوشونيسي) سيئة، وكان يعاملها معاملة غير لائقة رغم التضحيات التي قدمتها له، كما ورد في كتاب أصدرته الكاتبة (آنا فندر) بعنوان (حياة زوجية: الحياة الخفية للسيدة أورويل) (wifedom: Mrs Orwell’s Invisible Life)، اعتمدت فيه على مراسلات بين أورويل وزوجته، ومعلومات من بعض صديقات إيلين وبعض المصادر الأخرى. ويعتقد البعض أن فندر، التي حاولت إعادة الاعتبار لإيلين، ربما أضفت على كتابها بعض آرائها الشخصية فيما يخص بعض سلوكيات أورويل، على الرغم من أنها قالت إنها لا تهدف إلى تدمير صورة أورويل لدى الملايين من قرائه.

وقد كان تعامل أورويل مع زوجته كذلك منذ بداية الزواج، وكانت قد تخلت عن إكمال دراستها للماجستير من جامعة كوليدج حتى تتفرغ لزواجها والأعمال المنزلية فيه، وعلاوة على ذلك وهو الأهم مساعدتها إياه حين كانت سكرتيرة له ومحررة لأعماله، وهي من طبعت مخطوطة (الطريق إلى رصيف ويغان) و(تحية إلى كتالونيا) بالآلة الطابعة، وكانت تستمع إلى قصة (مزرعة الحيوان)، وتبدي ملاحظاتها عليه، وصبغت الحوار فيه بجماليةٍ مستمدة من روح الدعابة التي كانت تتمتع بها، متحملة مع ذلك شظف العيش في كوخ بدون كهرباء أو حمام داخلي. ومع كل هذه التضحيات لم يكلف نفسه حتى الإشارة إلى ذلك، ولم يكن يُعِيرها اهتمامًا كافيًا، مركزًا على كتاباته فقط، بل إنه كان يخونها مع صديقاتها.

وتحكي الكاتبة آنا فندر عن حياة هذه الزوجة مع أورويل أنه كان بالغ القسوة في التعامل معها، أنانيًّا في حياته، رغم أنها كانت تعاني من مرض السرطان. وقد كان أورويل مصابًا بالدرن وعقيمًا، إلا أنه لم يخبر زوجته بذلك إلا بعد الزواج.

وكانت إلين قد كتبت شعرًا في عام 1934 (أي قبل عام من لقائها بأورويل) تحت اسم (نهاية قرن 1984) للاحتفال بمرور 50 عامًا على مئوية تأسيس مدرستها (مدرسة سندرلاند الثانوية)، وربما تأثر بها أورويل وبرؤيتها المستقبلية، خاصة في جزئية التحكم في العقل والحد من الحرية الشخصية بواسطة النظام الحاكم، حيث إن بين هذه المادة ورواية 1984 شبهًا كبيرًا.

وقد كتبت فندر عن قصة كتابها في مقال لها في صحيفة الغارديان (30 يوليو 2023م) تحت عنوان (البحث عن إيلين: كيف استبعد جورج أورويل زوجته من قصته). وهناك معلومات إضافية عن الكتاب في موقع فندر على الإنترنت https://www.annafunder.com/wifedom/.

وخلاصة القول أن فندر تؤكد في كتابها أن إيلين لم تكن داعمة لأورويل عمليًّا وإبداعيًّا فحسب، بل شريكة فكرية وأدبية له، وترى في بعض جوانب شخصيته ثقافة ذكورية – كانت سائدة آنذاك – رغم حديثه عن بعض المثاليات الأخلاقية. ويزيد من عمق المشكلة أن السِّير التي تناولت حياة أورويل لا تتنكر لهذا الدور، وهو ما يعيد طرح ما يثار حول إخفاء أدوار النساء المحيطات بالكتاب المشهورين رغم الأهمية الكبيرة له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى