أقلام

تأملات في الوصايا الخالدة للإمام الحسن العسكري (ع) (١)

عواطف الجعفر

للإمام العسكري عليه السلام وصايا عدة:

1- بتقوى الله

2- وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة فإنّه لا تقبل الصلاة من مانع الزكاة،

3-بمغفرة الذنب وكظم الغيظ،

4-وصلة الرحم،

5-ومواساة الإخوان،-

6-والسعي في حوائجهم في العسر

7-واليسر والحلم عند الجهل

8-والتفقّه في الدين ،

9_والتثبت في الأمور ،

10-والتعاهد للقرآن ،

11-وحسن الخلق ،

12-والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أولًا: تقوى الله

التقوى ليست مجرد خوف من العقوبة، ولا حالة روحية مؤقتة يعيشها الإنسان في لحظات الوعظ، بل هي وعيٌ دائم بحضور الله في الحياة

أن يعيش الإنسان وهو يستشعر أن الله يراه، ويعلم خفاياه، ويطّلع على اختياراته، هو المعنى الحقيقي للتقوى

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

والتقوى بهذا المعنى تصنع للإنسان بوصلة أخلاقية تمنعه من أن يتحول إلى أسير للهوى أو ضغط المجتمع أو إغراء المصالح.

فالإنسان المتقي لا يسأل فقط:

ماذا أستطيع أن أفعل؟

بل يسأل قبل ذلك:

هل يرضى الله عما أفعله؟

وهنا تتحول التقوى من مفهوم ديني إلى منهج حياة.

ففي الأسرة، التقوى تمنع الظلم والإهانة.

وفي العمل، تمنع الخيانة واستغلال الآخرين.

وفي المال، تمنع الحرام.

وفي العلاقات، تحفظ الإنسان من تجاوز الحدود.

وفي مواقع القوة، تمنعه من الاستعلاء.

ولهذا فإن أعظم أثر للتقوى أنها تجعل الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة الآخرين.

ثانيًا: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. أوصى الإمام عليه السلام بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة فإنّه لا تقبل الصلاة من مانع الزكاة.

ولم تكن وصايا الإمام الحسن العسكري (ع) كلماتٍ تُقال لتُحفظ، وإنما كانت مشروعًا لبناء الإنسان المؤمن، وإعادة ترتيب علاقته بالله، وبنفسه، وبالحياة

وفي زمنٍ كثرت فيه الفتن، واضطربت فيه المعايير، وتعددت فيه مصادر التأثير، تبقى وصايا الإمام العسكري (ع) قادرة على مخاطبة الإنسان في كل عصر؛ لأنها تنطلق من أصول ثابتة لا تتغير بتغير الأزمنة: تقوى الله، وإقامة الصلاة، والارتباط بالله في السر والعلن.

وتأتي الصلاة باعتبارها أحد أهم مظاهر الارتباط بالله.

والقرآن لا يقول فقط: أدّوا الصلاة، وإنما يقول:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.

والإقامة أعمق من مجرد أداء الحركات؛ فهي أن تصبح الصلاة مقامةً في حياة الإنسان، تؤثر في سلوكه وأخلاقه وقراراته.

قال تعالى:

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾.

فإذا خرج الإنسان من صلاته كما دخل إليها، دون أن تترك أثرًا في أخلاقه أو كلامه أو معاملاته، فهنا يحتاج إلى أن يتأمل في معنى الصلاة التي يؤديها.

الصلاة الحقيقية تعيد الإنسان إلى مركزه.

حين تتزاحم عليه هموم الحياة، تقول له الصلاة: لست وحدك.

وحين يشتد خوفه، تذكّره بالله.

وحين تغلبه الدنيا، تعيده إلى الآخرة.

وحين يشعر بالضعف، تضعه بين يدي القوة المطلقة.

ولهذا كانت الصلاة مدرسة يومية لتربية الإنسان.

ثالثًا: خصوصية صلاة ليلة الجمعة

وليلة الجمعة لها مكانة خاصة في الوجدان الإسلامي، لما تحمله من أجواء العبادة والدعاء والذكر والاستغفار.

إن تخصيص الإنسان وقتًا من ليلة الجمعة للصلاة والذكر ليس مجرد إضافة عبادة إلى جدول أعماله، وإنما هو إعادة ترتيب للأسبوع كله.

فوسط ضجيج الحياة، يحتاج الإنسان إلى ليلة يتوقف فيها قليلًا، ويعيد مراجعة نفسه، ويستغفر لذنوبه، ويجدد عهده مع الله.

إن ليلة الجمعة يمكن أن تكون محطة روحية يقول فيها الإنسان لنفسه:

ماذا فعلت خلال هذا الأسبوع؟

أين أخطأت؟

من ظلمت؟

من قصّرت بحقه؟

ما الذنب الذي أحتاج أن أستغفر الله منه؟

وما العمل الصالح الذي ينبغي أن أضاعفه؟

وهكذا تصبح العبادة وسيلة للمراجعة والإصلاح، لا مجرد عادة متكررة.

التقوى والصلاة

علاقة متكاملة

عندما نجمع بين التقوى والصلاة نجد أن الوصية تبني الإنسان من الداخل والخارج.

التقوى تمنحه الرقابة الداخلية، والصلاة تمنحه الطاقة الروحية.

التقوى تقول له لا تعصِ الله.

والصلاة تقول له: ارجع إلى الله.

التقوى تحميه قبل الوقوع في الخطأ.

والصلاة تعيده إلى الطريق عندما يضعف أو يتعثر.

ومن هنا نفهم أن بناء الإنسان المؤمن لا يكون بكثرة المعلومات وحدها، وإنما يحتاج إلى قلبٍ واعٍ بالله، وعبادةٍ تعيد تشكيل سلوكه.

وصية تتجاوز الزمن

نحن اليوم نعيش في عالم سريع، تتعدد فيه المغريات، وتتسارع فيه المعلومات، وتزداد فيه الضغوط النفسية والاجتماعية.

وقد يمتلك الإنسان الكثير من المعرفة، ولكنه يفتقد السكينة.

وقد يمتلك المال، ولكنه يفتقد الطمأنينة.

وقد يكون محاطًا بالناس، ولكنه يشعر بالوحدة.

فليست المشكلة دائمًا في أن الإنسان لا يعرف الطريق، وإنما في أنه يحتاج إلى قوة تعينه على السير فيه.

والتقوى تمنحه هذه القوة، والصلاة تغذيها

إن التأمل في وصايا الإمام الحسن العسكري (ع) يكشف لنا أن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح الإنسان، وإصلاح الإنسان يبدأ من علاقته بالله.

فإذا استقامت علاقة الإنسان بربه، انعكس ذلك على أخلاقه، وأسرته، وعمله، ومجتمعه.

ولذلك فإن التقوى ليست عزلة عن الحياة، والصلاة ليست هروبًا من الواقع؛ بل هما وسيلتان لصناعة إنسان أكثر وعيًا، وأشد ثباتًا، وأرحم بالناس، وأصدق في تعامله.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نقرأ هذه الوصايا لا باعتبارها كلمات من الماضي، بل باعتبارها مشروعًا معاصرًا لبناء الإنسان البصير المتوازن.

إنسانٌ يراقب الله في السر والعلن، ويقيم الصلاة لا كعادة، بل كصلة، ويجعل من ليلة الجمعة محطةً لاستعادة روحه، ومراجعة نفسه، وتجديد عهده مع الله.

فكلما ازدحم العالم من حولنا، نحتاج إلى أن نعود إلى الأصل:

تقوى في القلب، وصلاة في الحياة، وصدق في السلوك.

وهنا تبدأ رحلة الإنسان نحو الله، وحين تبدأ هذه الرحلة بصدق، يصبح إصلاح النفس طريقًا إلى إصلاح الحياة كلها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds