
د. حجي الزويد
ليس المولد النبوي الشريف مجرد ذكرى تاريخية تعود كل عام، ولا مناسبة عابرة في ذاكرة الزمن، بل هو استحضار لولادة النور الذي غيّر وجه التاريخ، وفتح للإنسانية أفقًا جديدًا من الهداية والرحمة والكرامة.
لقد كان مولد النبي محمد صلى الله عليه وآله بداية مرحلة مختلفة في مسيرة الإنسان؛ مرحلة ستتحول فيها الأرض التي أثقلتها الوثنية والعصبية والظلم إلى فضاء جديد يحمل رسالة التوحيد، ويعيد للإنسان مكانته، ويؤسس لقيم العدل والرحمة والعلم والأخلاق.
ومن هنا تستمد ذكرى المولد عظمتها؛ فكل احتفال يستمد قيمته من عظمة المحتفى به. وإذا كانت الأمم تحفظ ذكرى علمائها وقادتها ومصلحيها، فمن باب أولى أن تحتفي الأمة بميلاد خاتم الأنبياء، وحامل الرسالة الخاتمة، والرحمة التي وصفها الله بأنها رحمة للعالمين.
فالنبي صلى الله عليه وآله لم يكن مجرد قائد صنع مرحلة سياسية، ولا مفكرًا ترك رؤية فكرية، ولا مصلحًا اجتماعيًا محدود الأثر، بل كان رسولًا حمل مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الإنسان من داخله، قبل إعادة تشكيل المجتمع من حوله.
لقد جاء محمد صلى الله عليه وآله في عالم تتنازعه صور متعددة من الانحراف والظلم والتفاوت والجهل، فجاء برسالة تضع الإنسان أمام ربه، وتحرره من عبودية البشر، وتجعله مسؤولًا عن أفعاله، وتدعوه إلى العلم والعدل والرحمة والتقوى.
وقد عبّرت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام عن عظمة هذا التحول حين وصفت حال الأمم قبل البعثة، ثم بيّنت أثر الرسالة المحمدية فقالت:
«فَأَنَارَ اللهُ بِأَبِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ظُلَمَهَا، وَكَشَفَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَهَا، وَجَلَّى عَنِ الْأَبْصَارِ غُمَمَهَا، وَقَامَ فِي النَّاسِ بِالْهِدَايَةِ».
وهذه الكلمات تختصر جانبًا من حقيقة المولد؛ إذ لم يكن مولد النبي ولادة شخص فحسب، بل كان إيذانًا بولادة عصر جديد، وبداية لمسيرة ستعيد تعريف علاقة الإنسان بالله، وبنفسه، وبالناس من حوله.
لقد علّم النبي صلى الله عليه وآله الإنسان أن كرامته لا تتوقف على ماله أو نسبه أو لونه، وأن التفاضل الحقيقي إنما يكون بالتقوى والعمل الصالح. وأعاد لليتيم حقه، وللفقير مكانته، وللمرأة كرامتها، وللعلم قيمته، وللأخلاق سلطانها.
وكانت الأخلاق في مشروعه جزءًا من جوهر الرسالة، لا هامشًا فيها، حتى أثنى الله عليه بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ﴾ [القلم: ٤]
كما لخص القرآن رسالته بقوله:
﴿وَما أَرسَلناكَ إِلّا رَحمَةً لِلعالَمينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]
ولهذا فإن الاحتفال بمولده ليس مجرد تعبير عاطفي عن المحبة، مع ما للمحبة من قيمة، بل هو في جوهره احتفاء برسالة الهداية والرحمة والعدل.
إن الفرح بالنبي هو فرح بالقرآن الذي حمله، وبالإيمان الذي أحياه في القلوب، وبالقيم التي أقام عليها مجتمعه، وبالنموذج الإنساني الذي جسده في حياته.
وقد وصف القرآن بعثة النبي بأنها منّة عظيمة فقال:
﴿لَقَد مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤمِنينَ إِذ بَعَثَ فيهِم رَسولًا مِن أَنفُسِهِم يَتلو عَلَيهِم آياتِهِ وَيُزَكّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكمَةَ وَإِن كانوا مِن قَبلُ لَفي ضَلالٍ مُبينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
فإذا كانت بعثته منّة، فإن استحضار هذه النعمة وشكر الله عليها يصبح معنى أصيلًا من معاني الاحتفال.
ولكن الاحتفال الحقيقي لا يكتمل بالمظاهر وحدها، مهما كانت جميلة، بل يبلغ غايته حين يتحول الحب إلى اقتداء، والذكرى إلى سلوك، والفرح إلى التزام أخلاقي.
فنحن نحتفل بالنبي حين نكون أكثر صدقًا في أقوالنا، وأكثر أمانة في أعمالنا، وأكثر رحمة في تعاملنا، وأكثر عدلًا في مواقفنا.
ونحتفل به حين نرعى الضعيف، ونصون حقوق الآخرين، ونقف مع المحتاج، ونحفظ كرامة الإنسان، ونبتعد عن الإساءة والتعصب والظلم.
ونحتفل به حين نجعل من العلم طريقًا، ومن الحوار منهجًا، ومن الأخلاق لغة يومية في البيت والعمل والمجتمع.
ومن هنا، فإن المولد النبوي فرصة سنوية لمراجعة علاقتنا برسول الله صلى الله عليه وآله؛ لا على مستوى العاطفة فقط، بل على مستوى الحضور الحقيقي لقيمه في حياتنا.
فما مقدار الصدق في سلوكنا؟
وما مقدار الرحمة في تعاملنا؟
وما مقدار الأمانة والعدل والتواضع في ممارساتنا اليومية؟
وإلى أي حد استطاعت سيرته أن تتحول في حياتنا إلى منهج؟
إن هذه الأسئلة تمنح المناسبة عمقها، وتخرجها من حدود الاحتفال الشكلي إلى فضاء الوعي والالتزام.
وما أحوج العالم اليوم إلى استعادة الروح المحمدية؛ في زمن تزداد فيه الصراعات، وتشتد فيه النزاعات، وتتراجع أحيانًا قيمة الإنسان أمام المصالح والمكاسب.
نحن بحاجة إلى رحمة محمد صلى الله عليه وآله، وعدله، وحكمته، وتواضعه، وإيمانه بالإنسان، وقدرته على بناء مجتمع يقوم على المسؤولية والكرامة والأخلاق.
إن المولد النبوي ليس مناسبة للحنين إلى الماضي، بل فرصة لإضاءة الحاضر بالمبادئ التي صنعت ذلك الماضي العظيم.
وحين نستحضر النبي في مولده، فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه لذكراه أن نعيد قراءة سيرته بوصفها مشروع حياة، وأن نجعل من أخلاقه معيارًا لسلوكنا، ومن رحمته طريقًا في علاقتنا بالناس، ومن رسالته نورًا يوجه خياراتنا.
فذلك هو الاحتفال الأجمل، وذلك هو الوفاء الأصدق.
سلام على محمد يوم وُلد، ويوم حمل رسالة ربه، ويوم أضاء للإنسان طريق الهداية، وسلام على رسالته ما تعاقب الليل والنهار.





