أقلام

هل أصبح الزواج صفقة؟

عماد آل عبيدان

قرأت طرحًا عن عزوف بعض الشباب عن الزواج.. انتهى صاحبه إلى أن الشاب بات يرى الزواج “صفقة خاسرة”.

توقفت..

فمتى جلس الزواج أمامنا بهذه الهيئة؟

طرف يحصي ما سيدفع.. وطرف يحصي ما سيأخذ.. وكل واحد يضع حقوقه ومطالباته قبل أن يضع نفسه في الحياة التي يريد أن يبدأها مع الطرف الآخر.

وسنجد الإجابات حاضرة..

الظروف الاقتصادية..

المهور..

السكن..

الحفلات..

الرواتب..

وكلها أسباب حقيقية لا يصح إنكارها.. ولكن كثرة ترديدها ربما جعلتنا نقبع في الزوايا ونترك أساس المسألة.

فالسؤال الأبعد: ماذا حدث لفكرة الزواج نفسها؟ لا: كم أصبح الزواج مكلفًا؟

لو انخفض المهر غدًا هل انتهت المشكلة؟

ولو خففنا الحفل وتيسر السكن فهل يعود كل عازف عن الزواج إليه؟

ليس بالضرورة..

لأن جزءًا من المشكلة لم يعد في الجيب وحده.. بل في نظرتنا إلى الزواج نفسه.

الحياة تغيرت.. وهذا طبيعي..

فالمرأة تعلمت وعملت وأصبحت شريكة في ميادين كثيرة.. والرجل نفسه لم يعد يعيش ظروف أبيه أو جده.. وتغيرت الوظائف والأسعار والبيوت وطريقة العيش.. وتغيرت معها حاجات الناس وتوقعاتهم.

ولا مشكلة في أن تتغير الحياة..

المشكلة أن تتغير نصف أفكارنا ويبقى نصفها الآخر في مكانه ثم نطلب من النصفين أن يعيشا تحت سقف واحد بلا خلاف.

يريد بعض الرجال امرأة تعيش معه حياة اليوم.. ولكنه يستدعي صورة المرأة القديمة عندما تناسبه.

وتريد بعض النساء رجلًا يؤمن بالشراكة حين توسع لها مساحة الاختيار.. ثم تستدعي صورة الرجل القديمة حين تضيق مساحة المسؤولية.

ولا أقول ذلك لإدانة الرجل أو المرأة..

إنه عرف وفكر نعيشه – بدرجات مختلفة – وربما لهذا يصعب علينا الاعتراف به.

فنحن نرى التناقض عند الطرف الآخر أسرع مما نراه عند أنفسنا.

وليست المشكلة في عمل المرأة.. ولا في إنفاق الرجل.. ولا في المهر والنفقة والحقوق التي قررها الشرع..

فالمشكلة تبدأ عندما يختار كل طرف من القديم والجديد ما يخدمه ثم يترك للطرف الآخر فاتورة الاختيار..

عندها تتراجع كلمة “نحن” وتتقدم..

أنا..

وأنت..

حقي..

وواجبك..

مالي..

ومالك..

ولماذا أتنازل؟

وقد يعرف الزوجان حقوقهما كاملة ثم لا يعرفان كيف يعيشان معًا!

فالبيت لا يحتاج إلى جهل بالحقوق.. ولكنه لا يعيش بالحقوق وحدها..

هو يحتاج إلى مودة لا تدخل في الحساب.. وتنازل لا يشعر صاحبه بأنه هُزم.. ومراعاة لا تحتاج في كل مرة إلى مادة في عقد.. وشخصين يعرف كل منهما أن تعب الآخر يعنيه.

وسيقول قائل..

كل هذا جميل.. ولكن ماذا يفعل الشاب أمام مهر مرتفع وسكن غالٍ وراتب لا يكفي؟

وسؤاله صحيح..

فالاقتصاد ليس وهمًا.. وارتفاع تكاليف الحياة واقع يضغط على كثير من الشباب.. ولا يصح أن نطلب من شاب عاجز ماديًا أن يحل مشكلته بتغيير أفكاره!

ولكن الخطأ المقابل أن نفسر كل شيء بالمال..

فكم من شيء نسبناه إلى غلاء الزواج ونحن الذين أغليناه؟

وكم من حاجة رفعناها إلى مرتبة الضرورة لأنها أصبحت عرفًا؟

وكم من شاب يريد أن يبدأ من حيث انتهى أبوه بعد ثلاثين عامًا؟

وكم من أسرة تشكو تأخر زواج ابنتها ثم تشارك، من حيث لا تشعر، في صناعة الأسباب التي تؤخر زواج ابن أسرة أخرى؟

وكم من فتاة لا تطلب المستحيل أصلًا.. لكن المجتمع من حولها أقنعها بأن بساطة زواجها نقص؟

المهر حق.. لكنه ليس مقياسًا لقيمة المرأة.

والحفل فرح.. وليس امتحانًا لمكانة العائلة.

والبيت حاجة.. وليس مطلوبًا أن تبدأ غرفه مكتملة كما لو أن الزوجين عاشا فيه عشرين سنة.

والأثاث يمكن أن يكتمل..

والسفر يمكن أن ينتظر..

والصور التي نراها كل يوم ليست دائمًا حياة الناس.. إنها الجزء الذي اختاروا أن نراه منها.

ربما أفسدنا على أبنائنا البدايات حين أقنعناهم بأن الحياة ينبغي أن تبدأ مكتملة.

وهنا جاء سؤال الأستاذ سلمان العنكي في مكانه:

ما فائدة عرض الداء إذا لم نبحث عن الدواء؟

وجاءت مداخلة الشيخ علي التريك من الجهة الأخرى لتقول إن تدقيق النظر في المشكلة نفسه بداية للطريق، وإن الحل قد يتكون من تراكم النقاش لا من إجابة واحدة جاهزة.

والقولان يلتقيان.

لا دواء قبل تشخيص، ولكن لا ينبغي أن نظل نصف المرض ثم نغلق الورقة ونمضي.

ولعل أول العلاج ألا نفتش عن مذنب.

ليست المرأة هي المشكلة.

وليس الرجل هو المشكلة.

وليست الحياة الحديثة كلها مشكلة، ولا الماضي كله حلًا.

المشكلة في شيء صنعناه معًا، ثم اعتدناه حتى أصبح في نظرنا طبيعيًا.

وبعض ما نسميه اليوم “تكاليف الزواج” ليس ثمن الزواج أصلًا.. بل ثمن الصورة التي اشترطناها له.

نحتاج أن نفصل الدين عن فاتورة العرف.

وأن نعيد العرف نفسه إلى طاولة السؤال:

لماذا نفعل هذا؟

هل نحتاجه فعلًا؟

أم أننا نفعله لأن الناس يفعلونه؟

ونحتاج أن يعود الزواج شأنًا بين اثنين يريدان بناء حياة، قبل أن يصبح مشروعًا تتزاحم على تفاصيله العائلتان والمجتمع والصور والمقارنات.

وأن يعرف الشاب أن الزوجة ليست بندًا جديدًا في المصروفات.

وأن تعرف الفتاة أن الرجل الذي ستعيش معه أهم مما يستطيع أن يضعه بين يديها.

وأن يعرف الاثنان أن الشراكة ليست أن نقسم كل شيء بالنصف، وإنما ألا يحمل أحدهما الحياة وحده بينما يقف الآخر يحصي عليه واجباته.

وربما نحتاج قبل أن نقول لأبنائنا وبناتنا:

تزوجوا..

أن نسأل أنفسنا:

ماذا قلنا لهم طوال هذه السنوات عن الزواج؟

ماذا شاهدوا في بيوتنا؟

وماذا سمعوا في مجالسنا؟

هل قدمناه لهم سكنًا ومودة ومسؤولية مشتركة؟

أم قدمناه للشاب فاتورة، وللفتاة قائمة مطالب، ثم استغربنا أن يقف الاثنان طويلًا أمام الباب؟

فالذي ينشأ وهو يسمع أن الزوجة عبء.. سيحسب كلفتها قبل أن يعرفها.

والتي تنشأ وهي تسمع أن قيمة الرجل فيما يستطيع أن يوفره.. قد تنظر إلى يده قبل أن تنظر إلى الإنسان الذي سيمسك يدها.

ومن تربى على أن كل تنازل هزيمة.. قد ينتصر في كل خلاف..

ويخسر بيته.

لهذا قد لا يكون السؤال الأهم..

لماذا عزف بعض الشباب عن الزواج؟

ربما علينا أن نرجع خطوة ونسأل:

ماذا فعلنا بالزواج حتى أصبح بعض أبنائنا ينظرون إليه كصفقة؟

فالزواج في أصله لم يكن رابحًا أمام خاسر..

كان اثنين يدخلان بيتًا لا يملك أحدهما مفاتيح أيامه القادمة، ولكنهما يعرفان شيئًا واحدًا:

لن يأتي أحدهما للآخر بحياة مكتملة..

وإنما سيكملانها معًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى