
يوسف الطويل
قبل سنوات، لو قلت: (لدي فكرة لفيلم)، فالفكرة وحدها لا تكفي.
تحتاج إلى سيناريو، ثم تقسيمه إلى مشاهد، وجدول تصوير، واختيار مواقع واستئجارها، وممثلين، ومخرج، ومساعد مخرج، ومصورين، ومهندسي صوت وإضاءة، ثم مونتاج ومؤثرات وموسيقى وإنتاج.
وراء دقائق نشاهدها على الشاشة كان يقف فريق كامل، ووقت طويل، وميزانية قد لا يقدر عليها إلا منتج أو مؤسسة.
ولم تكن المسألة فنية وإنتاجية فقط، فالوصول إلى الشاشة كان يمر أيضًا بمنظومة من التراخيص والفسح والتصنيف والجهات المنظمة، بحسب طبيعة العمل والبلد الذي يُعرض فيه.
باختصار، كان بين الفكرة والفيلم أبواب كثيرة.
أما اليوم؟
كمبيوتر… وكيبورد.
اكتب ما يدور في خيالك.
مدينة لم تزرها، وزمن لم تعشه، وشخصيات لم تقابلها، وطقس لم يحدث، ومعركة لا تستطيع تصويرها، وموقع تصوير ربما يستحيل أصلًا الوصول إليه.
ثم شاهد خيالك وهو يتحرك أمامك.
هل هذا مخيف؟
ليس بالضرورة.
بل ربما يكون واحدًا من أجمل ما قدمه الذكاء الاصطناعي للإنسان.
شاب لديه خيال سينمائي رائع، ولكنه لا يملك المال ولا الكاميرات ولا الاستوديو ولا فريق الإنتاج، أصبح يستطيع أن يحوّل شيئًا من خياله إلى صورة وحركة وصوت.
أبواب كانت مغلقة، وفُتحت.
ولكن عندما تُفتح الأبواب بهذه السرعة، من حقنا أيضًا أن نسأل:
إلى أين ستأخذنا؟
لقد شاهدنا تجربة مشابهة من قبل.
كان امتلاك قناة تلفزيونية أمرًا لا يخطر على بال الإنسان العادي. ثم جاءت منصات التواصل، فأصبح لكل واحد منا قناته، بل قنواته.
سناب شات، ويوتيوب، وتيك توك، وإنستغرام، وإكس وغيرها.
وصرنا جميعًا منتجين وناشرين ومصورين ومعلقين.
كانت تلك ثورة جميلة في جانب منها؛ أعطت الناس أصواتًا لم تكن مسموعة.
ولكنها أعطتنا أيضًا سيلًا من المحتوى لا ينتهي.
الجيد والرديء، والصحيح والخاطئ، والعميق والتافه، كلها تصل إلى الشاشة نفسها.
واليوم يبدو أننا أمام الخطوة التالية:
بالأمس أعطت المنصات كل إنسان قناة، واليوم يعطيه الذكاء الاصطناعي استوديو سينمائيًا كاملًا.
وهنا تبدأ حيرتي.
ليس لأنني أريد الوقوف في وجه هذه الموجة؛ فالوقوف في وجه الموج لا يوقفه، وقد يُغرق من يقف أمامه.
ولكن لأن هذه الموجة مختلفة.
فهي لا تمنح الإنسان وسيلة للنشر فقط، بل تمنحه القدرة على صناعة ما يراه الآخرون.
خذ معلومة خاطئة مثلًا.
في السابق، قد يكتبها شخص في رسالة واتساب ويرسلها، فنقرأها ونناقشها، وربما نبحث عن صحتها.
أما الآن، فيستطيع أن يحوّل المعلومة نفسها إلى فيلم.
يصنع المكان، والشخصيات، والأصوات، والحوار، والملابس، وربما الحدث التاريخي نفسه.
ولا يقول لك:
(هذا ما حدث).
بل يجعلك تراه يحدث أمام عينيك!
وقد يستخدم شخص هذه القدرة لترويج فكرة دينية، أو تاريخية، أو اجتماعية، أو غيرها، ويصنع لها عالمًا بصريًا كاملًا يدعم روايته، مع أن ذلك العالم لم يوجد أصلًا.
وهنا يتغير شيء عميق في علاقتنا بالصورة.
كنا نقول:
(رأيته بعيني)
وكأن الرؤية آخر درجات الإثبات.
ولكن هل ستبقى هذه العبارة صالحة في عصر يستطيع فيه الكمبيوتر أن يجعلنا نرى أشياء لم تحدث؟
ثم هناك سؤال آخر:
ماذا سيحدث لصناعة السينما نفسها؟
لماذا يتعلم الشاب الإضاءة سنوات إذا كان يستطيع أن يطلب نوع الإضاءة التي يريدها؟
ولماذا يحتاج إلى موقع تصوير إذا كان يستطيع أن يصنع الموقع؟
وماذا سيحدث للمصور، ومهندس الصوت، والمونتير، ومصمم الديكور، وعشرات المهن التي نشأت حول صناعة السينما؟
ربما تختفي بعضها، وربما تتغير، وربما تظهر مهن جديدة لم نعرف أسماءها بعد.
وقد يكون مخرج المستقبل مختلفًا تمامًا عن المخرج الذي نعرفه اليوم.
أنا لا أعرف.
وهذا هو بيت القصيد:
نحن لا نعرف بعد إلى أين ستصل هذه الموجة.
لكن أكثر ما يجعلني أتوقف ليس السينما، ولا المخرجين، ولا الاستوديوهات.
إنها بيوتنا.
منذ سنوات ونحن نقول للأب والأم:
انتبهوا لما يشاهده أبناؤكم على الجوال.
ومع ذلك، كم أبًا يعرف فعلًا ماذا يشاهد ابنه وهو جالس وحده في غرفته؟
الجوال في يده، والسماعة في أذنه، والعالم كله أمامه.
ولكن الذكاء الاصطناعي قد يقلب السؤال نفسه.
فربما لا يكون ابنك يشاهد فيلمًا.
ربما يكون هو الذي يصنع الفيلم!
يجلس في الغرفة المجاورة، لا كاميرا، ولا ممثلون، ولا فريق تصوير يدخل البيت ويخرج منه.
مجرد جهاز أمامه.
يكتب، ويجرب، ويصنع شخصيات، ويبني قصة، ويولّد مشاهد وأصواتًا، ثم ينشر عمله للعالم.
وقد تستيقظ ذات صباح لتكتشف أن في بيتك صانع أفلام…
وأنت آخر من يعلم.
هل أخاف منه؟
أم أفرح به؟
ماذا لو كان موهوبًا، وفتحت له هذه التقنية بابًا لم يكن سيُفتح له في الماضي؟
وماذا لو كان يصنع شيئًا لا أفهمه، أو يتلقى أفكارًا لا أعرف مصدرها، أو يشاهد ويصنع محتوى لا يستطيع في عمره بعد أن يميز حقيقته من خياله؟
هل أمنعه؟
وهل أستطيع أصلًا أن أمنعه؟
هل نحتاج مستقبلًا إلى تنظيم خاص للمحتوى السينمائي المصنوع بالذكاء الاصطناعي؟
وحتى لو نظمته دولة، ماذا عن فيلم صُنع في الطرف الآخر من العالم، ووُضع على منصة يستطيع ابني الوصول إليها من غرفته؟
أسئلة كثيرة…
ولا أدعي أن لدي أجوبتها.
فالذكاء الاصطناعي ليس عدوًا قادمًا يجب أن نغلق الأبواب في وجهه، وليس عصًا سحرية ينبغي أن نصفق لكل ما تصنعه.
إنه أداة هائلة دخلت حياتنا بسرعة، وربما لم نأخذ الوقت الكافي حتى نفهم حجم ما تغير.
ولهذا لا أقول:
أوقفوا صناعة الأفلام بالذكاء الاصطناعي.
فالموجة بدأت، ولن تنتظرنا.
ولكن ربما علينا أن نتعلم كيف نسبح فيها، وكيف نعلّم أبناءنا السباحة فيها أيضًا.
فقد أمضينا سنوات نقول لهم:
لا تصدقوا كل ما تقرؤون.
ويبدو أن الوقت قد حان لنضيف إليها:
ولا تصدقوا كل ما ترون.




