أقلام

سلقوكم بألسنةٍ حداد … حين يتكلم العجز ويتوارى الفعل

حسين الحاجي 

في لحظات الحسم لا تُختبر الكلمات ، بل تُكشف المعادن ، فبعضهم يثبت حضوره بالفعل ، وبعضهم لا يملك إلا لساناً طويلاً حاداً يجرح أكثر مما يصلح ، وهنا تتجلى صورة من وصفتهم الآية الكريمة ( سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير ) .

هذا النموذج من البشر صوته عالٍ وكلامه كثير ، لكنه عند المواقف الحقيقية يتراجع ، يتأخر ، يختفي ، يهاجم بلا تردد ، لكنه لا يمد يده بعطاء ، ولا يبادر بفعل ، ولا يُشارك في بناء .

هو ناقد بارع حين يكون العمل لغيره ، وصامت تماماً حين يكون الدور عليه ، يتقن التقليل من الجهود ، ويجيد تضخيم الأخطاء ، وكأنه خُلق ليطفئ أي نور يظهر .

نتخيل مثلاً فريقاً يعمل على مبادرة مجتمعية، فيأتي هذا الشخص ليقول : هذا العمل ضعيف وغير مؤثر ، ثم ينسحب دون أن يقدم بديلاً أو فكرة أو دعماً ، هذا هو المعنى الحي للسان الحاد مع قلب شحيح .

الخطورة ليست في كلماته فقط ، بل في أثرها فهي تحبط العزائم ، وتكسر الحماس ، وتزرع الشك في النفوس ، ومع تكرارها تتحول إلى حاجز يمنع المبادرات من الانتشار .

لذلك ، فإن الوعي الحقيقي ليس في الرد عليه ، بل في عدم التأثر به ، والاستمرار في العمل ، لأن الخير لا يحتاج ضجيجاً ، بل يحتاج صدقاً وثباتاً .

ولا ننخدع ببريق الكلمات القاسية فهي في ظاهرها قوة ، لكنها في حقيقتها ضعف متنكر ، لأن من يملك القدرة على البناء لا يضيع وقته في الهدم ، ومن يعرف قيمة الخير لا يبخل به ولا يحاربه ، بل يسعى لنشره ولو بكلمة طيبة أو موقف بسيط .

لنتذكر دائماً أن الناس قد تنسى ما قيل ، لكنهم لن ينسوا كيف جعلناهم يشعرون ، فإما أن نكون سبباً في رفع معنوياتهم ، أو سبباً في إحباطهم ، والفرق بينهما كلمة صادقة أو كلمة جارحة .

لنجعل ألسنتنا جسراً يعبر عليه الخير ، لا سيفاً يقطع طريقه ، ولنكن ممن إذا حضر نفع ، وإذا تكلم صدق ، وإذا غاب بقي أثره ، لأن القيمة الحقيقية ليست فيما نقول ، بل فيما نفعل، وما نتركه بعدنا من خير ممتد لا ينقطع ولا يزول مهما طال الزمن وتغيّرت الأحوال .

وفي النهاية ، يبقى الفرق واضحاً بين من يرفع صوته ومن يرفع أثره فالأول يملأ المكان كلاماً ، والثاني يملؤه قيمة ، الأول يمر بلا أثر ، والثاني يترك بصمة لا تُنسى ، فلنختر لأنفسنا أي الطريقين نريد ، لأن اللسان الحاد قد يجذب الانتباه لحظة ، لكن الفعل الصادق هو الذي يصنع الاحترام ويكتب البقاء .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى