
فاطمة المحمد علي : الدمام
تعتبر القراءة النافذة الأولى التي يطل منها الطفل على العالم، والركيزة الأساسية التي تبنى عليها شخصيته وفكره، إذ يرى خبراء التربية أن انتقاء القصص والكتب التي تناسب عمر الطفل، يمنحه ثروة كبيرة من الكلمات، ويسهم بشكل مباشر في توسيع مداركه، وتجعله أكثر قدرة على التركيز والتفكير بذكاء.
ففي الوقت الذي يقضي فيه معظم الأطفال أوقاتهم أمام الشاشات الإلكترونية والألعاب الرقمية، اختارت الطفلة “فيروز العبدالوهاب” ذات الـ ( 9 ) سنوات، أن تصنع لنفسها عالماً مختلفاً ومميزاً بين صفحات القصص و الكتب .
فمنذ صغرها، انجذبت لعالم القراءة التي كبرت معها من هواية إلى شغف يغذي عقلها ويوسع خيالها، ولم تقف عند قراءة القصص فقط ! بل أصبحت اليوم كاتبة تؤلف وتكتب قصصها بأسلوبها الخاص، لتكون نموذجاً ملهماً للجميع.
وتجسيداً لهذا التميز، نظمت جمعية أدب الطفل وثقافته بالتعاون مع الشريك الأدبي، بتدشين كتاب الكاتبة الصغيرة “فيروز” في فعالية حملت عنوان “حين تكتب الطفولة حكايتها”، والتي شهدت ولادة قصتها الأولى التي تحمل عنوان: “راشد في مزرعة جده”.
أقيمت هذه الفعالية في مؤسسة دار راوي للنشر الواقعة بـ حي المحمدية بالدمام، وذلك مساء يوم الخميس الماضي، وسط حضور وتفاعل لافت من المهتمين والمشجعين لموهبتها.
تضمنت الفعالية عدة محاور، بدأت بلقاء حواري مع المؤلفة الصغيرة “فيروز” حول رحلة صناعة الكتاب ومناقشته، ثم استمع الحضور إلى مقابلة مع الرسامة “فاطمة عبدالواحد العليو” التي تولّت رسم أحداث القصة،حيث تحدثت فيها عن استلهامها البصري من جغرافية الأحساء التي تدور فيها الأحداث، مبينة أنها بذلت قصارى جهدها في استكشاف معالم المنطقة والتحقق منها، متتبعة معالم بارزة في الأحساء مثل: عين الجوهرية، ومسجد جواثا، وسوق القيصرية، وسوق الحرفيين، وجبل القارة.
ولتقريب هذه المشاهد لعين الطفل، استندت إلى بحث موسع شمل الصور والمراجع ومقاطع الفيديو، لتنقل جمال سحر طبيعة الأحساء، ونخيلها، وكرم أهلها وعاداتهم الأصيلة.
واختتمت الفعالية بفقرة التوقيع والتقاط الصور التذكارية، وسط أمنيات الجميع لـ “فيروز” بمستقبل باهر في عالم القراءة وتأليف الكتب.
وقد أجرت صحيفة “بشائر” حواراً مع الكاتبة الصغيرة فيروز:
س: كيف جاءت فكرة تأليف قصة ( راشد في مزرعة جده ) ؟
ج: لطالما أحببت أن أكون كاتبة، وكانت لدي محاولات وقصص تجريبية كثيرة ساعدتني على تطوير مهاراتي في الكتابة وصقل أفكاري، ومن بين تلك الأفكار وُلدت قصة “راشد في مزرعة جده” واخترتها لأنها قصة قريبة من الأطفال وتعرفهم بجمال الطبيعة ومتعة استكشافها.
س: ما الذي يميز القراءة في نظرك عن بقية الهوايات ؟
ج: القراءة صنعتني وجعلتني مفكرة ومبدعة ومثالاً يحتذى به بإذن الله تعالى .
س: لو أتيحت لك فرصة إلقاء رسالة لكل أطفال الوطن، ماذا ستقولين؟
ج: اقرأوا لتعرفوا، اقرأوا لتفكروا، اقرأوا لتحلموا، اقرأوا لتكونوا مصابيح تضيء طريق المعرفة لكل من حولك، فكل كتاب، وكل صفحة، وكل كلمة، قادرة أن تصنع الفرق، وأن تصنع الإنسان .
وفي حوار آخر مع صحيفة “بشائر”، تحدثت “فاطمة زكي” والدة الكاتبة الصغيرة “فيروز” عن ملامح بداية ابنتها الأولى، ومحطات انطلاقتها، وكيف تم اكتشاف موهبتها الاستثنائية وصقلها فقالت: “بدأت قصة فيروز منذ طفولتها المبكرة، حيث كنت ألاحظ شغفها بالتعلم وسرعة حفظها، فحرصت على قراءة القصص لها بانتظام، لتفاجئني بعد فترة وجيزة بحفظها للقصص، وتردّد الآيات القرآنيّة التي كنت أبثها في المنزل، حينها أيقنت أن الطفل يستوعب ويرتشف من محيطه أكثر مما نتخيل، وأن البيئة التي نحيطه بها هي التي تصنع الفارق الحقيقي في مستقبله”.
وبيّنت أن ابنتها نشأت في بيئة ألهمتها الشغف، فوالدها قربها من عالم الشعر بحبه وتذوقه له، فكانت رغم صغر سنها تحفظ الأبيات وتستوعبها، وتستخدمها في مواقفها اليومية كجزء من لغتها.

وأوضحت قائلة: “بدأتُ أوجّه ابنتي فيروز نحو حفظ القرآن والأناشيد والقصائد المناسبة لعمرها، ومع التحاقها بالمدرسة وتقدمها في المراحل الدراسية، بدأت معلماتها يثنين على تميز مستواها اللغوي والمعرفي، مما شكّل لي دافعاً كبيراً لتركيز الاهتمام بصورة أعمق على تنمية مهارات التفكير والثقافة العامة لديها”.
وأشارت إلى أن أجمل المحطات التي أثرت في مسيرة ابنتها فيروز، كانت زيارتها لـ “مكتبة الروضة” والمشاركة في مناقشة الكتب، مؤكدة أن هناك رأت الأثر الحقيقي للقراءة في توسيع أفق ابنتها، وكيف يمكن لكتاب صغير أن يغرس في عقلها أفكاراً وأسئلة تعيش معها، واشارت إلى ان منذ ذلك الوقت، أصبحت الكتب جزءاً أساسياً من حياتها اليومية، حتى امتلأت غرفتها بمكتبة منزلية خاصة بها”.
وأضافت أنه مع الوقت، تعمقت الابنة أكثر في أساليب القراءة المنهجية للطفل من خلال حضور الأمسيات الثقافية، مؤكدة أن القراءة عادة تكتسب بالقدوة؛ حيث استحضرت الأم طفولتها وكيف كان الأبناء يقلدون الوالدين في قراءة القرآن والكتب، وهو ما دفعها لتطبيق التجربة ذاتها، فكانت تتعمد القراءة أمام أبنائها فور عودتهم من المدرسة، وما هي إلا فترة وجيزة حتى وجدتهم يقلدونها تلقائياً ويبحثون عن كتبهم للقراءة.
وأوضحت أن اهتمامات فيروز لم تقتصر على القراءة فقط !بل إلى دراسة الحساب الذهني، مثنية عليها بالإبداع وتحقق النتائج الجميلة، كما شاركت في مسابقات التهجئة الإنجليزية ودراسة اللغة الصينية ، مضيفة بأنها أيضاً في رحلة مباركة مع حفظ القرآن الكريم.
كما تطرقت الأم إلى التساؤلات الكثيرة التي كانت توجه إليها حول ما إذا كانت فيروز تفقد طفولتها بسبب القراءة ! مؤكدة أنها لم تفرض عليها شيئاً، بل كانت الطفلة هي الدافع، فغالباً ما تختار كتاباً جديداً وتفضله على الخروج خارج المنزل للاستمتاع به، أما دراسياً، فبفضل معلماتها المتميزات، كان مستواها رائعاً لا يتطلب إلا مراجعات بسيطة.
وذكرت أن أجمل ما في هذه الرحلة هو أثر فيروز على إخوتها الأصغر منها سناً؛ فعندما رأوها تقرأ وتناقش وتشارك في المسابقات، اقتربوا مثلها من عالم الكتب، لتصبح القراءة بفضلها جزءاً من ثقافة المنزل.
وفي رسالة وجهتها لكل أم، أكدت أن لكل طفل بذرة تميز، ولا حاجة لفرض طريق عليه، بل يكفيه الوقت، والاهتمام، والقدوة، معتبرة أن أعظم إنجاز لفيروز ليس الألقاب، بل شخصيتها الواثقة والمحبة للعلم التي صنعتها القراءة، وإيمانها بأن الأحلام الكبيرة تبدأ بشيء صغير.
وختمت حديثها بالإشارة إلى أن دورها ليس رسم مستقبل أبنائها، بل غرس ما يعينهم على خوضه بثقة، راجيةً من الله أن يكونوا صالحين وسعداء أينما حلّوا .
يجدر بالذكر أن الكاتبة الصغيرة “فيروز العبدالوهاب” حققت لقب بطلة المنطقة الشرقية في الموسم التاسع في مسابقة “تحدي القراءة العربي” والتي أطلقها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فهي تعد من أكبر المسابقات القرائية على مستوى العالم، ولم يكن هذا الإنجاز نهاية الطموح!
حيث عادت في الموسم العاشر بأكثر إصراراً وعزيمة، لتؤكد صدارتها وتحقق لقب “بطلة المنطقة الشرقية” للعام الثاني على التوالي في تمثيل المنطقة الشرقية على مستوى المملكة العربية السعودية .





