
ابتسام الموسى
منذ مايقارب ٧٨ عام وقفت طفلة ذات ثماني سنوات في وسط الصالون وأمها تنهال عليها ضربًا على الرأس والأكتاف، والعاملة تحاول أن تصد ضربات الأم وتحول بينها وبين الصغيرة، والأم تتذمر وتقول: هذه الشيطانة تصعد على الخزانه وترمي كل الأشياء التي فوقها، ثم تفتح أبواب الخزانة وترمي كل ما بداخلها، وكلما نهيْتها تعاود العمل نفسه!
ردت الطفلة: نعم يا أمي! فعلتها وسأفعلها ثانيه وثالثة ورابعة.
إنه شيطان الحرية يقبع داخل أعماق هذه الصغيرة.
ثم يدخل والدها الجنرال محمد باقر فرخزاد المنزل وهو منهك يغرق عرقًا من جهد العمل وحر الصيف على هذه الضوضاء ووضع المنزل المنكوش وتبدأ الأم في سرد ما فعلته ابنته فروغ ولا يبدي دهشة أو تعجّبًا لأنه اعتاد هذا الوضع، ولكنه لا يتمالك أن يسحب حزام بنطاله ليكمل مهمة الضرب على بدن الصغيرة.
وهكذا مرت طفولة الشاعرة فروغ فرخزاد في بيت أهلها.
وعلى قدر دقة والدتها في الترتيب والنظافه تأتي فروغ لتدمر كل جهود هذه الأم التي تعشق النظافة والترتيب.
في لحظة لعب بحريّة مطلقه.
عاشت الشاعرة فروغ في منزل أهلها في طهران، وكان التمييز واضحًا، كان والدها يفضّل الأبناء الذكور عليها لكونها أنثى، وكان يعاملها بشدةٍ تفوق معاملته لإخوتها. وقد دوّنت بنفسها أنّ والدها كان يراها “عبئًا” ويرغب في تزويجها مبكّرًا للتخلّص منها، في حين كان إخوتها ينالون قدرًا أكبر من الحرية. وهذا ما دفعها إلى العناد والتمرد لاحقًا فحوّلت هذه القسوه الى حبر وقصائد ودواوين
كانت فتاة ذكية شغوفه بالقراءة والشعر، إلا ان زواجها المبكر كتم طموحها.
نعم تزوجت في عمر السادسة عشر بضغط من والدها ليتخلص من عبئها، إلا أنها انفصلت عن زوجها خلال ثلاث سنوات بعدما أنجبت منه طفلًا واحدًا احتضنه أهله بحكم المحكمة، وأصبحت تزوره ضيفة.
تخيّلوا أمًّا تطرق بابًا لتقبيل ابنها!
هذه الصدمة قلبت حياتها وصنعت منها شاعرة غاضبة، ودفعتها لأن تكتب شعرًا جريئًا يكسر تقاليد الشعر الفارسي الذي اعتاد الشعراء هناك معالجة أخلاق وسلوك وعقائد المجتمع بشعرهم.
ويأتي شعر فروغ ليهز أدب فارس
متمردة على قيود المجتمع وتقاليده، وأصبحت أكثر جرأة عندما سافرت إلى أوربا وتعلمت واطْلعت على الأدب والسينما هناك.
والآن أسأل نفسي ما الذي يحدوني على الكتابة عن فروغ التي أعدها مجتمعها بصمة عار وتبرأ منها والدها وخجل أخوها من كتابتها، وحُضرت كتبها عشر سنوات؟
بل إن بيتًا واحدًا من قصائدها جعل الحرّاس يفتّشون الكتب في المطارات ليعاقب من يتداول مؤلفات فروغ (اضحكي حتى تسقط كل القيود)
أبيات لها أصبحت كالقنبلة الموقوتة عندما قررت أن تكتب ما يشعر به الآخرون ولا يستطيعون قوله!
كانت تسأل عن الدين دون خوف،
مع كتابة كل بيت كانت تخسر سمعتها وأغلى ناسها، وتنتظر حكم إعدام من المجتمع. ولكنها تواصل، ولا تريد أن تصبح أيقونة بل تريد نتائجًا وأثرًا، فكل بيتٍ كتبته كان صرخة أنثى رفضت أن تكون هامشًا في حياة الآخرين.
عندما قرأت لها هذا البيت ( “موتي سيجيء يومًا في ربيع مضيء من أمواج الضوءفي شتاء مغبر وبعيد)
حتى موتها تختار بأي طريقة ستموت.
كنت دائمًا أشعر أن هناك من يهددها بالقتل، فقرأت عنها المزيد لأعرف كيف كانت نهايتها.
توفيت فروغ في عمر الثانية والثلاثين وهي ترتدي الجينز
بأناقة في حادث سير! ماتت وتركت ضجيجًا يسمعه الشعر الفارسي حتى اليوم.
إرث فروغ:
لو عادت لنا فروغ في زمننا هذا ورأت غالبية الفتيات يزاولن مهنهن ويرتدين العباءة الملونة والصندل الأنيق سوف تقول: الحمد لله وصلت ضحكتي العالية إلى زمن العولمة.
ولو شاهدت مشهورات السناب يتكلمن عن كل شيء ويجاهرن بما يدور في خلجاتهن دون قيود ولا خوف من أب ولا أخ ستقول فعلًا:
زرعت يدي في التربة ونبتُّ وعرفت ووقفت.
ودفعتُ الثمن لوحدي من أجل كلمة حرّه لا تكسر رقبتكن أيتها الفتيات!
المتفرّغات اليوم يمشون على زجاج كسرته هذه المتمردة برجلها سابقًا.
وهنا نستخلص الفروقات بين فروغ فرخزاد الفارسية، وفروغات هذا الزمن في عالم السوشيال ميديا وكيف أصبحت “الفروغة” موضة، وليست رسالة! كي لا تقْطع القيود يديها.
فروغ ماتت في عمره الثانية والثلاثين، ودواوينها حُضرت، ومُسح اسمها عشر سنوات. دفعت دمًا من أجل كلمة أن تصل كلمة “اضحكي”. واليوم وحده تقول الكلمة نفسها وهي لا تدري أن هناك شاعرة عاشت قبلها، نامت في الشارع حتى تستطيع هي أن تضحك بحرية.
فروغ كتبت وهي خائفة، وكل قصيدة من الممكن أن تودعها للسجن أو تجلب العار لأهلها. الفروغات اليوم يكتبن وهن آمنات، وأكبر عقوبة يتلقينها هي بلوك.
فروغ دفعت الثمن لوحدها، ولا أحد كان يصفق لها. وأهلها تبرؤوا منها وزوجها طلقها وأخذ منها ولدها. الفروغات اليوم عندهن آلاف المتابعين والمتابعات الذين يصفقون لهن قبل أن يكتبون حرفًا.
فروغ لم تكن تعرف بأنها سوف تؤثر! كتبت وهي تشعر بالموت وحيدة قد تبرأ العالم منها. لم تكن تتوقع أنه بعد قرن من الزمان سنتكلم عنها في الواتساب.
والله قد تفرّغوا وصاروا نسخًا دون أصل. يصرخن بالصوت نفسه، ولكن لم يسمعن الصوت الأول الذي انكسر ليولد صوتهن.




