أقلام

كيف يصنع الإمام الحسين (ع) الإنسان الواعي (٤)

السيد فاضل آل درويش

ورد عن الإمام الحسين (ع): (إِذَا وَرَدَتْ عَلَى الْعَاقِلِ لَمَّةٌ قَمَعَ الْحُزْنَ بِالْحَزْمِ، وَقَرَعَ‏ الْعَقْلَ لِلِاحْتِيالِ)(جواهر الحكمة للشيخ علي الليثي الواسطي ص ٤٢٧).

ما المقصود بذلك الحزم الذي يمكن بواسطته مواجهة الأحزان وإنهاء تأثيرها المؤلم والمُكبّل لقوى الإنسان عن التقدم في ميدان العمل؟

إن الحزم الذي يدعو إليه الإمام (ع) هو أن يضع الإنسان حزنه في موضعه الصحيح، فلا يمكن أن يقال له بأن يتخلّص وينسلخ من التأثر العاطفي والوجداني بسبب حدث فلا يحزن بسببه، فهذا غير معقول ولكن وضع الحزن في حدوده الطبيعية – في الميزان العقلائي – فيحزن ويتألم ولكنه لا ينهار أو يستسلم، فإذا ما نظر إلى الأزمة بأنها محطة زمانية تُختبر فيها طاقاته وقدراته استطاع حينئذ أن يحافظ على توازنه الفكري والوجداني، فلا يفقد حكمته وبصيرته ونظرته الهادئة للأحداث والطرق التي يمكن أن يسلمها نحو شاطيء النجاة والسلامة، فذلك المقوّم لشخصيته القوية في وسط المحن والمشاكل هو التوازن بين الشعور المنضبط والعقل الواعي، فتلك العاطفة تبقى في حدود تحمل المسئولية والقيام بالمهام المطلوبة للتكيّف مع الواقع المستجد وإصلاح ما يمكنه القيام به.

الحزم كمفهوم يشير إلى أهم نقاط ومعالم القوة في شخصية الإنسان وما يمكن أن يبرز منه، عندما تداهمه مشكلة أو مصيبة ومع ذلك يبقى ثابت الجنان وقوي الإرادة في مواجهة الصعاب، فيدير الموقف أو المشكلة بحكمة وبصيرة إذ أن مشاعر الحزن المنضبطة لم تسلبه اتزانه وروح العمل.

والخطوة الأولى- التي تعادل نصف الحل إن لم نبالغ – هي امتصاص الصدمة والمحافظة على هدوء النفس وانضباطها، وروح العمل والإرادة المنبثقة من تحمّل المسؤولية والانطلاق في اتجاه المعالجة والحل لا اليأس والانهيار، ثم ينتقل الإمام (ع) إلى الخطوة الثانية بقوله: (وقرع العقل للاحتيال).

والتعبير بلفظ القرع يوحي بالإيقاظ وتحريك الطاقات و جرس التنبيه باستشعار الخطر لمواجهته لا للتهرب من تحمل المسؤوليات، فالإنسان الضعيف وقليل الخبرة عندما تداهمه الشدائد ويواجه أي مشكلة يسقط في فخ الانهيار النفسي والصدمة الوجدانية، فتتعطّل قواه التفكيرية وينسد باب الأمل عن وجهه وتأخذ مخيلته كل اتجاه ما عدا باب الحل والتغيير، فيحتاج إلى جرس تنبيه يقرع باب قواه ويدعوه إلى ساحة المواجهة وتقبّل الواقع المؤلم بكل تفاصيله، فيوقظ عقله من سبات الغفلة والتشتت ويستنهض قواه الفكرية والمهارية للبحث عن حلول ممكنة ومتاحة.

ويجدر الإشارة إلى أن مفهوم الاحتيال هنا يختلف تمامًا عما يتبادر إلى أذهاننا بأنه المخادعة والمكر، بل الاحتيال هنا بمعناه العام هو تدبير الحيلة والفكرة وإعداد الخطة المناسبة لمواجهة الأزمة أو الشدائد، أي إعمال الفكر الواعي بالبحث عن محيط المشكلة والعوامل المؤدية إليها، ومن ثَمّ البحث عن البدائل والحلول المتاحة والمضي قُدُما في العمل بها على أرض الواقع دون توانٍ أو تسويف، فالاحتيال الفكري هو عدم الاستسلام للظروف القاسية واستكشاف منافذ النجاة والسلامة مع التكيف مع الواقع الصعب، فالإنسان العاقل إذا واجه أزمة مالية يفكر في وسائل جديدة للكسب والعمل، وإذا واجه مشكلة اجتماعية يبحث عن وسائل الإصلاح و المعالجة، وإذا أصيب بإخفاق أو فشل حاول أن يستفيد من تجربته و يحوّل تلك الخسارة إلى درس وخبرة يستفيد منها لمستقبله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى