
عبد المنعم الحليمي: سيهات
واصل سماحة الشيخ عبد الجليل البن سعد تقديم سلسلة محاضراته بعنوان «حركة الأجيال ومسيرتها التاريخية والاجتماعية»، حيث تناول في الحلقة الثالثة عشرة، التي حملت عنوان «آخر الأجيال في الحقبة المهدوية»، ملامح المجتمع في عصر ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، مؤكدًا أن ذلك العصر يمثل مرحلة تتجاوز المفاهيم البشرية التقليدية للأجيال، مع وجود بعض نقاط التقاطع مع النظريات الإنسانية.
واستهل سماحته محاضرته بالإشارة إلى دعاء «اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة…»، مبينًا أن الدولة المهدوية تمثل مشروعًا إلهيًا يقوم على إرادة الإنسان وسعيه نحو الكمال، وأن الكمال الذي يتحقق في عصر الظهور لا يُفرض على البشر، بل يأتي ثمرة استعدادهم وإرادتهم واستحقاقهم للنصر الإلهي.
وأوضح أن الكمال المهدوي سيكشف مواطن القصور التي رافقت الأجيال السابقة عبر التاريخ، مشيرًا إلى أن الله تعالى منح البشرية فرصًا متعددة للوصول إلى الكمال، إلا أن الفرصة التي ستتحقق في عصر الإمام المهدي (عج) ستكون مؤيدة بالنصر الإلهي، بعد أن تتهيأ الإرادة الصادقة لدى المجتمع.
وفي المحور الأول من المحاضرة، أكد البن سعد أن الإرادة تسبق النصر، موضحًا أن الانتصارات التي تتحقق في العصر المهدوي ليست معجزات منفصلة عن دور الإنسان، وإنما تأتي وفاءً بالعهد الإلهي بعد تحقق إرادة المؤمنين وثباتهم. واستعرض عددًا من الروايات التي تشير إلى طبيعة المواجهات التي تسبق قيام الدولة المهدوية، مبينًا أنها تمر بمراحل من الابتلاء والتمحيص قبل تحقق النصر النهائي.
وفي المحور الثاني، تناول أسباب استمرار الخلافات بين البشر، معتبرًا أن الاختلاف ليس قدرًا محتومًا، وإنما تغذيه عوامل متعددة، أبرزها التحريف والخداع واستغلال الجهل وضعف الوعي. ولفت إلى أن الروايات تشير إلى أن الإمام المهدي (عج) سيعيد إظهار النسخ الأصلية من الكتب السماوية، بما يسهم في إزالة أسباب الخلاف بين أتباع الديانات.
كما حذر من مخاطر الخداع الفكري الذي مارسه بعض المستشرقين والمتظاهرين بالإسلام عبر التاريخ، داعيًا الشباب إلى التحلي بالوعي وعدم الانخداع بالمظاهر أو بالأطروحات التي تستهدف إثارة الشكوك في ثوابت الدين.
وأشار كذلك إلى أن من أبرز أسباب الخلاف تدخل غير المؤهلين في القضايا العلمية، وظهور من وصفهم بـ«أنصاف العلماء»، إضافة إلى دور المنافقين أصحاب البلاغة في قلب الحقائق، مؤكدًا أهمية مراعاة مقاصد الكلام والحفاظ على وحدة الصف واحترام المرجعيات العلمية.
وفي المحور الثالث، أوضح الشيخ البن سعد أن نهاية التطور الإنساني ستكون مهدوية، مستعرضًا ما ورد في الروايات حول مظاهر النهضة الشاملة في عصر الظهور، والتي تشمل التطور العلمي والطبي والعمراني والزراعي والتنظيمي والتقني، معتبرًا أن هذه التحولات تعكس بلوغ الإنسانية مرحلة غير مسبوقة من التقدم والاستقرار.
أما في المحور الرابع، فقد ناقش العلاقة بين الظهور المهدوي وما يعرف بـ«نظرية الروح» عند الفيلسوف هيغل، مبينًا أن الرؤية المهدوية تختلف عن التصورات الفلسفية التي تجعل التاريخ وحده مصدر التطور، إذ تؤكد العقيدة الإسلامية أن الإمام المهدي (عج) هو محور إحياء الروح الاجتماعية والإنسانية، وأن ظهوره سيقود إلى تحول شامل في النفوس والمجتمع والطبيعة.
واختتم الشيخ عبد الجليل البن سعد محاضرته بالتأكيد على أن إقامة الدولة المهدوية تتطلب وجود أنصار يمتلكون الإرادة والوعي والثبات، مشيرًا إلى أن إرادة أصحاب الإمام المهدي (عج) ستكون العامل الرئيس في تحقق النصر الإلهي، كما جسد الإمام الحسين (عليه السلام) أسمى معاني الإرادة والثبات في مواجهة الظلم، وإن اختلفت الظروف التاريخية بين المرحلتين.





