
المترجم : عدنان أحمد الحاجي
قد لا يقتصر اختيار الأصدقاء على الشعور بالانسجام مع أشخاص يشاركوننا اهتماماتنا أو لهم نفس وجهات نظرنا. فوفقًا لدراسة جديدة، قد يختار الناس أصدقاءهم أيضًا بناءً على سمات جعلت منهم شركاء لهم دور في البقاء على قيد الحياة خلال الماضي التطوري للبشر، أي السمات التي كانت تساعد الأصدقاء على التعاون وتجاوز الصعوبات التي واجهها أسلافنا.
وترى وجهة النظرة التقليدية في علم النفس الاجتماعي أن الناس يختارون أصدقاءهم بطريقة استراتيجية، فيختارون الأشخاص الذين يمكنهم مساعدتهم على تحقيق أهدافهم. وقد يشمل ذلك تكوين صداقات لبناء شبكة من العلاقات الاجتماعية أو المهنية بهدف زيادة فرص الحصول على وظيفة، وليس مجرد تكوين صداقات بحد ذاته. أي أن المرء قد يكوّن علاقة أو صداقة مع أشخاص يعملون في مجال معين، أو لديهم معارف وعلاقات، لأنهم قد يساعدونهم في ترشيحهم على عمل، أو يعرِّفونه بفرص عمل، أو يقدمون له توصيات تساعده في الحصول على عمل. لذا يتم اختيار بعض الناس أو المعارف بطريقة تحقق منفعة أو هدفًا معينًا، مثل اختيار بعضهم بغية المذاكرة معََا إستعدادََا لامتحان ما، أو من اجل اختيار زميل مناسب للسكن معه.
لكن هذه الدراسة الجديدة (1)، المنشورة في مجلة التطور والسلوك البشري Evolution and Human Behavior . ترى أن الصداقة تطورت عبر تاريخ الإنسان بوصفها شراكة تعاونية طويلة الأمد، وكانت ضرورية للبقاء على قيد الحياة عندما كان البشر يعيشون في مجتمعات الصيد وجمع الثمار. ففي تلك الفترة الزمنية، كان الاعتماد على الأصدقاء الموثوقين والتعاون معهم عاملًا مهمًا في الحصول على الغذاء، والحماية من الأخطار، وتربية الأبناء.
وانطلاقًا من هذا التصور، يقترح الباحثون أن الناس يميلون إلى اختيار أصدقائهم بناءً على سمات شخصية، مثل التعاون، والكفاءة في التعامل مع التحديات والصعوبات وتقديم المساعدة بفعالية. والمكانة الاجتماعية، والجاذبية البدنية (الوسامة)، حتى لو لم تكن هذه السمات مفيدة بصورة مباشرة لتحقيق أهدافهم في هذا الزمن. وعلّق مؤلفو الدراسة بأن اختيار الأصدقاء قد يكون أحيانًا مرتبطًا بهدف معين، وأحيانًا أخرى يكون مدفوعََا بميول فطرية تطورت عبر الزمن، تشبه ما أسموه “براعم التذوق الاجتماعية”؛ هذه العبارة تشير إلى أن لدى الإنسان ميولًا فطرية أو تفضيلات داخلية تؤثر في اختياره للأصدقاء، تمامًا كما تؤثر براعم التذوق على اللسان في تفضيلاتنا للطعام. فوفقًا للدراسة، لا يختار الناس أصدقاءهم دائمًا لأنهم يساعدونهم على تحقيق هدف معين، بل قد ينجذبون تلقائيًا إلى أشخاص يتمتعون بمثل هذه السمات، ذلك لأن هذه السمات كانت ذات قيمة كبيرة للبقاء على قيد الحياة والتعاون خلال التاريخ التطوري للإنسان.
المقارنة بين اختيار الأصدقاء لتحقيق الأهداف الراهنة، وبين اختيارهم بدافع احتياجات تطورية قديمة ساعدت الإنسان على البقاء والتعاون عبر التاريخ
لاختبار ما إذا كان اختيار الأصدقاء يعتمد على الأهداف الراهنة التي يسعى الناس إلى تحقيقها، أم على ميول واحتياجات تطورية قديمة تشكلت عبر التاريخ التطوري للإنسان، صمّم باحثون من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا تجربتين. وكان الهدف من هاتين التجربتين معرفة ما إذا كانت الصداقة تُبنى أساسًا على المنفعة المباشرة، أم أن هناك سمات ننجذب إليها فطريََا لأنها كانت مهمة لبقاء أسلافنا وتعاونهم.
في التجربة الأولى، جمع الباحثون كل من 156 طالبًا جامعيًا مع شخص غريب من الجنس نفسه داخل المختبر لإجراء حوار مباشر استمر 30 دقيقة. وبعد انتهاء الحوار، قيّم كل مشارك بشكل سري مدى رغبته في أن يصبح الشخص الآخر صديقًا له، كما قيّم السمات التي يتمتع بها. وأُتيح للمشاركين أيضًا خيار مشاركة عنوان بريدهم الإلكتروني مع الطرف الآخر، لكن لم يصار إلى تبادل العناوين إلا إذا وافق كلا الشخصين على ذلك.
إضافةً إلى ذلك، قاس الباحثون القوة البدنية لكل مشارك باستخدام عدة مؤشرات، شملت قوة قبضة اليد، مدى قوة العضلات الموجودة في منطقة الصدر على أداء تمارين أو اختبارات تقيس القوة البدنية، ومحيط العضلة ذات الرأسين العضدية (2)، أي قياس حجم هذه العضلة باستخدام شريط قياس يلف حول الجزء العلوي من الذراع.
في هذه الدراسة، استخدم الباحثون هذا القياس بصفته مؤشرََا على البنية العضلية والقوة البدنية للمشارك، لا لكونه اختبارََا للقوة بحد ذاته. وكان الهدف من هذه القياسات معرفة ما إذا كانت القوة البدنية تؤثر في مدى جاذبية الشخص بوصفه صديقًا محتملًا.
أما الدراسة الثانية، فقد أُجريت بالكامل عبر الإنترنت، وشارك فيها 444 متطوعًا جرى استقطابهم من خلال منصة Amazon Mechanical Turk . وطُلب من المشاركين أولًا كتابة أهم هدف في حياتهم في تلك اللحظة، ثم عُرضت عليهم صور لأشخاص غرباء من الجنس نفسه، وطُلب منهم تقييم مدى ملاءمة كل شخص لأن يكون صديقًا محتملًا.
أخيرًا، طُلب من مجموعة أخرى من المشاركين تقييم الصور نفسها بناءً على سمات مختلفة، مثل الإنتاجية في بيئة الأسلاف،أي مدى ما يبدو الشخص قادرًا على أداء المهام التي كانت مهمة لنجاح الإنسان في حياة الأسلاف، مثل الصيد، وجمع الثمار، والتعاون، وحل المشكلات، والمساهمة في بقاء المجموعة، وتجعل من الشخص شريكًا نافعََا وناجحًا في بيئة الأسلاف حينئذ، وميل الشخص إلى مساعدة الآخرين والتعاون معهم والتصرف بطريقة تعود بالنفع على من حوله، مثل الإيثار، والتعاطف، والاستعداد لتقديم الدعم عند الحاجة، والمكانة الاجتماعية، والمظهر البدني الجذاب، من حيث ملامحه وهيئته الخارجية (السمات الجسدية)، والقدرة على فرض النفوذ والسيطرة على الآخرين وقوة الشخصية، والثقة بالنفس، والقدرة على تولي زمام الأمور أو التأثير في الآخرين، وغيرها من السمات. وأتاح ذلك للباحثين مقارنة السمات التي تجعل وجه الشخص يبدو مناسبًا ليكون صديقًا بالسمات التي قال المشاركون إنهم يحتاجون إليها لتحقيق أهدافهم الراهنة، لمعرفة ما إذا كان اختيار الأصدقاء يتأثر أكثر بالاحتياجات الراهنة أم بالميول التطورية القديمة.
ما السمات التي يبحث عنها الناس بالفعل في الشخص قبل اختياره صديقََا؟
في الدراسة الأولى، أفاد الباحثون بأن المشاركين كانوا يفضّلون تكوين صداقات مع أشخاص بدوا متعاونين، وذوي شخصية قيادية أو مهيمنة، وجذابين من الناحية البدنية، ويتمتعون بمكانة اجتماعية عالية. ومن بين هذه السمات، كانت روح التعاون، والجاذبية الجسدية، والشخصية القيادية أو المهيمنة هي أكثر العوامل التنبؤية برغبة المشاركين في تكوين صداقة مع من يتمتعون بهذه السمات.
كما بينت النتائج أن الرجال كانوا أكثر ميلًا من النساء إلى مشاركة عناوين بريدهم الإلكتروني مع شخص قد يصبح صديقًا، رغم أن الرجال والنساء قيّموا الأشخاص الذين قابلوهم على أنهم متساوون تقريبًا في مدى ملاءمتهم أو جاذبيتهم باعتبارهم أصدقاء محتملين
كشفت نتائج الدراسة الثانية أن السمات التي تجعل الوجه يبدو مناسبًا أو مرغوبًا لتكوين صداقة لا تتوافق باستمرار مع السمات التي احتاجها المشاركون في التجربة لتحقيق أهدافهم اليومية. وتدعم هذه النتيجة النظرية التطورية لاختيار الأصدقاء، لكنها لا تستبعد في الوقت نفسه احتمال أن تكون للأهداف الراهنة أيضًا دور في هذا الاختيار، كما أشار الباحثون.
وقال الباحثون: “إن معظم التباينات في الأحكام المتعلقة بمدى رغبة الناس في تكوين صداقة مع شخص بعينه لا يمكن تفسيره بأهدافهم اليومية التي يسعون إلى تحقيقها. فبدلًا من اختيار الأصدقاء بناءً على ما يساعدهم في إنجاز أهدافهم الراهنة، فإن أحكامهم تتأثر في الغالب بما لديهم من تفضيلات عامة وعميقة، مثل تفضيل المتعاونين أو الجذابين أو ذوي الشخصية القيادية. لذلك فإن معظم التباين في مدى اعتبار شخصٍ ما صديقًا مرغوبًا فيه يعود إلى تفضيلات ليست مرتبطة بتحقيق أهدافهم الراهنة، بل تتأثر اختياراتهم أيضًا بتفضيلات أعمق وأكثر رسوخًا قد تكون لها جذور تطورية.
لذلك، بالرغم من أننا قد نعتقد أننا نختار أصدقاءنا بناءً على ما يمكن أن يساعدنا في حياتنا الراهنة، فإن غرائزنا القديمة المتوارثة قد تكون هي أيضًا ما يؤثر في هذا الاختيار دون أن ندرك ذلك.
الهوامش
1- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S109051382600098X
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/عضلة_ذات_الرأسين_العضدية
المصدر الرئيس
https://phys.org/news/2026-07-friends-stone-age.html





