
أحمد الزيلعي
هم الكرماء، هكذا عرفهم المؤمنون والمسلمون، وحتى غير المسلمين. فهل يا ترى كانوا مجبرين على ذلك؟ وهل يُجبر الكريم على السخاء والجود؟ إن الكريم يشعر الحجر بأنه كريم؛ لأن رسائل قلبه تنتقل ذبذباتها إلى كل ما حوله، فكيف بمن هم المعنى الأكمل للكرم؟
وهكذا نحن الموالون لأهل البيت (عليهم السلام)، نتغنى بكرمهم وسخائهم، وخصوصًا كريم أهل البيت (عليه السلام)، الذي نعيش ذكرى استشهاده. والذي أحب أن ألقبه بـ “كريم الله”؛ لأنه مظهر كامل للكرم الإلهي، ولا يفهم ذلك إلا من قرأ سيرته، التي تجلت فيها شتى صور الكرم، حتى إنه وقف موقفًا يتجرأ البعض فيصفه بأنه أذل المؤمنين، وما كان كذلك، بل كان موقفًا أقدسه؛ لأنه عزّ المؤمنين وصان دماءهم. فهو صنو الحسين (عليه السلام)، الذي ملأ الدنيا والوجود بخيره، وما الأربعين الحسيني إلا غيض من فيض عطائه.
نحن مثلهم؟
نحن لسنا مثلهم، ولن نكون مثلهم، ولكننا نمتلك قدوةً وأسوةً، تلك الغرسة التي تنمو في القلوب، ويسقيها الحب الإيماني، فتتبارك وتثمر، حتى يصبح في كل سنبلة مئة حبة.
ما الذي نحتاج إليه؟
أن نلتفت إلى هذه الجذوة المقدسة في قلوبنا، التي أشعلها المنبت الطاهر، ورُزقنا بفضل مودتهم. فنحن نحمل الاستعداد لأن نكون كرماء؛ حبًا لهذه الذوات الطاهرة.
نعم، هو ذلك، وما علينا سوى أن نرفع الحجب التي تحول بيننا وبين هذا المعنى، ومنها قولنا: “هم معصومون، ولا نستطيع أن نكون مثلهم.” لا بأس، فلنكن واحدًا من مليون منهم (0.000001)، فإن لم أكن كريمًا، فلأتصنع الكرم، وعندما تثقل نفسي أقول لها: أعطِ بقدرك، لا بقدرهم؛ فمن يقدر على كرمهم، وهم النور الذي فاض وجوده بإذن الله تبارك وتعالى؟
قسطها…
أن تحيي ذكر أهل البيت (عليهم السلام)، أو تصل رحمك، أو تهدي حبيبًا، أو تدخل السرور على معسر، أو ترعى يتيمًا، يمكن أن يتحقق في زماننا بأيسر مما كان في الأزمنة السابقة، عبر خدمات متعددة، منها خدمة “قسطها” التي تقدمها التطبيقات المعروفة.
حتى لو كان المبلغ قليلًا، وليس مقتصرًا على المبالغ الكبيرة، فإن تحمل أقساط عن آخر تطوعًا له مذاق روحي يقربنا من كريم الله، ومن أهل بيت النبوة، أبي محمد الحسن بن علي السبط المجتبى (عليهم السلام أجمعين). فكيف إذا كان ذلك من أجل يتيم أو فقير؟ هنا تتجلى الإنسانية في أكمل صورها، ولا ينبغي أن نظن أننا نمنّ على أحد بذلك، فذلك حقهم علينا.
ما الذي سيحصل؟
ما سيحصل هو ما نقرره لأنفسنا: أن نكون، أو ألا نكون، بقدر استطاعتنا، مصداقًا لإمام يقول عنه ابن كثير، عن محمد بن سيرين:
«”ربما أجاز الحسن بن علي الرجل الواحد بمائة ألف.”»
قبسات مقدسة
أوفد الإمام الباقر (عليه السلام) بعض أصحابه إلى جماعة من شيعته، وأمره أن يبلغهم بما يلي:
«”بلِّغ شيعتنا عنا السلام، وأوصهم بتقوى الله العظيم، وبأن يعود غنيهم على فقيرهم، ويعود صحيحهم عليلهم، ويحضر حيهم جنازة ميتهم، ويتلاقوا في بيوتهم؛ فإن لقاء بعضهم بعضًا حياة لأمرنا. رحم الله امرأً أحيا أمرنا وعمل بأحسنه. وقل لهم: إنا لن نغني عنهم من الله شيئًا إلا بعمل صالح، ولن ينالوا ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد، وإن أشد الناس حسرة يوم القيامة لمن وصف عملًا ثم خالفه إلى غيره.” (1)»
«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
(سورة البقرة: 267).»
«﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
(سورة آل عمران: 92).»
«﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
(سورة الحديد: 10).»
المرجع
(1) المرجع الإلكتروني للمعلومات:
https://ns1.almerja.com/more.php?idm=57585





