
زكي الجوهر
فقدت الأحساء اليوم أحد أبرز الباحثين والمهتمين بتاريخها وتراثها، بوفاة الدكتور محمد بن عبدالله الدوغان، الذي كرّس جانبًا كبيرًا من جهوده لتوثيق التاريخ الإسلامي والجغرافي للأحساء، مواصلًا رسالة علمية امتدت من والده، العلامة الشيخ أحمد بن عبدالله الدوغان، إلى مشروع بحثي وثقافي حمل همّ حفظ الذاكرة التاريخية للمنطقة.
وجاء رحيله بعد سنوات من العمل في التأليف والبحث، كان آخرها إصدار كتابه «الدليل السياحي الإلكتروني لزوار الأحساء والساحل الشرقي – السيرة والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم»، الذي مثّل نقلة نوعية في توثيق المواقع التاريخية، عبر الجمع بين المصادر التاريخية والتقنيات الرقمية الحديثة.
واعتمد الدوغان في كتابه على منهج يربط الحدث التاريخي بمكانه الجغرافي، مدعمًا ذلك بصور حديثة للمواقع، ورموز الاستجابة السريعة (QR Code) التي تمكّن القارئ من الوصول مباشرة إلى المواقع عبر خرائط جوجل، في تجربة معرفية وسياحية غير مسبوقة.
وتناول الكتاب عددًا من أبرز المعالم الإسلامية في الأحساء، وفي مقدمتها جواثا، كما استعرض التاريخ البحري للمنطقة، والروايات التاريخية المتعلقة بسوق المشقر ووفد عبد القيس، ساعيًا إلى إبراز المكانة الحضارية للأحساء في صدر الإسلام، وتعزيز حضورها في الوعي الثقافي والسياحي.
ولم يكن الدوغان مجرد مؤلف، بل كان باحثًا شغوفًا بتاريخ الأحساء، حريصًا على توثيق شواهدها وربطها بالمصادر المعتبرة، مؤمنًا بأن الحفاظ على الذاكرة التاريخية مسؤولية وطنية وثقافية تستحق أن تُقدَّم للأجيال بلغة علمية معاصرة.
لقد شكّل امتدادًا للإرث العلمي الذي تركه والده، الشيخ أحمد بن عبدالله الدوغان، فجمع بين الأصالة والتقنية، وبين البحث الأكاديمي والتوثيق الميداني، وأسهم في إثراء المكتبة التاريخية للأحساء بمؤلفات ستظل مرجعًا للباحثين والمهتمين.
نعي
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى الدكتور محمد بن عبدالله الدوغان، الباحث والمؤلف في تاريخ الأحساء، الذي انتقل إلى رحمة الله بعد أن ترك إرثًا علميًا وثقافيًا سيبقى شاهدًا على حبه لوطنه وتاريخه.
لقد سخّر علمه وجهده لتوثيق معالم الأحساء، وإبراز مكانتها في التاريخ الإسلامي، وقدم أعمالًا علمية جمعت بين أصالة البحث وحداثة التقنية، فكان مثالًا للباحث المخلص في خدمة المعرفة والتراث.
رحم الله الدكتور محمد بن عبدالله الدوغان، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته ومحبيه وطلابه الصبر والسلوان، وجعل ما قدّمه من علم نافع وتوثيق للتاريخ في ميزان حسناته.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.





