أقلام

مع سيد الكونين إلى الحسين ماشيًا

أحمد الزيلعي

وكأني بركب أولي العزم من الرسل مع الأنبياء والمرسلين والأوصياء يقدمهم سيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله الطاهرين وأمير المؤمنين أوصياؤه عليهم السلام تحركوا من النجف الأشرف متجهين إلى أرض كربلاء الحسين عليه السلام. ورأيت روحي تحبو على وجناتها تطلب الإذن من والد الزهراء عليها السلام قائلةً:

يَا سَيِّدَ الْكَوْنَيْنِ خُذْنِي زَائِرًا

فِي خِدْمَةِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ خُطَايَا

نَوحًا أُخِيطُ كَنُوحَ “طُوفَانِي شَجًى”

جُودِيِّ بِالطَّفِّ السِّوَاءُ مُنَايَا

دَمْعِي خَلِيلِي عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ مَنْ

فِي مَسْرَحِ التَّوْحِيدِ صَاغَ ضَحَايَا

وَكَلِيمُ عِشْقٍ لِلْحُسَيْنِ جَنَاجِنِي

مُوسَى الْكَلِيمُ مُهَنْدِسًا لِعَصَايَا

عِيسَى دَلِيلِي سَائِحًا فِي كَرْبَلَاءَ

نَجْوَى الْمَوَائِدِ نَغْمَتِي لِرَعَايَا

مَعَ وَالِدِ الزَّهْرَاءِ أُسْعِدُ فَاطِمًا

أُحْيِي طَرِيقَ السَّعْدِ دَمْعًا آيَا

فِي خِدْمَةِ الْكَرَّارِ سَاقِي الْكَوْثَرِ

أَسْبَاطُ وَحْيٍ قُرْبُهُمْ رَجْوَايَا

هامش

شرح ثقافي مختصر

تقوم هذه القصيدة على رؤيةٍ شعريةٍ مبتكرة تتخيل ركبًا نورانيًا يتقدمه سيد الكونين النبي محمد ﷺ، ويضم نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وقد اجتمعوا جميعًا سائرين إلى زيارة الإمام الحسين عليه السلام في الأربعين. وفي هذا المشهد لا يطلب الشاعر منزلةً بينهم، بل يتوسل إلى النبي ﷺ أن يمنحه شرفًا أعظم في نظره؛ وهو أن يكون خادمًا لهذا الركب المبارك، لتغدو الخدمة أسمى من كل مقام.

ويبدأ البناء الفني بنداء النبي محمد ﷺ: ﴿يا سيد الكونين خذني زائرًا﴾، وهو نداء يحمل معنى الالتماس والرجاء، ثم يعقبه قوله: ﴿في خدمة الرسل الكرام خطايا﴾؛ حيث تتحول الخطى إلى وسيلة خدمة، في استعارةٍ تجعل كل خطوة من خطوات الزائر عملًا يؤديه في موكب الأنبياء، لا مجرد انتقالٍ من مكان إلى آخر.

ثم تنتقل القصيدة عبر الأنبياء واحدًا بعد آخر، بحيث يحمل كل نبي رمزه القرآني الخالد؛ فنوحٌ يحضر مع الطوفان والجودي، وإبراهيم مع التضحية والتوحيد، وموسى مع العصا، وعيسى مع المائدة. وهذه ليست إشاراتٍ تاريخية، وإنما رموزٌ تتجمع في شخصية الإمام الحسين عليه السلام، وكأن الشاعر يريد أن يقول إن القيم التي جاء بها الأنبياء جميعًا قد تجلت في نهضته.

ومن أجمل صور القصيدة التناص القرآني في قوله:

جُودِيِّ بِالطَّفِّ السِّوَاءُ مُنَايَا

فهو يستدعي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، ليجعل من الطف جوديَّ الأرواح؛ فكما انتهى طوفان الأرض باستواء سفينة نوح على الجودي، ينتهي طوفان النفس والشوق والاغتراب باستوائها في كربلاء. ومن هنا جاءت كلمة «السواء» لتوحي بالاستواء والرسوخ والطمأنينة، لا بمجرد معنى الاعتدال، فتغدو كربلاء مرفأ النجاة بعد أمواج الدنيا.

وتقوم القصيدة كذلك على الاستعارة والرمزية؛ فـ أخيط طوفاني تصور الأحزان ثوبًا ينسجه الشاعر بخيوط الشوق، و «دمعي خليلي» تشخص الدمع حتى يغدو رفيقًا، بينما تتحول العصا والمائدة والجودي إلى رموز قرآنية تستدعي الهداية والرحمة والنجاة.

ويكتمل البناء الدائري للقصيدة في ختامها بذكر والد الزهراء؛ أي النبي محمد ﷺ، فتعود القصيدة إلى الشخصية التي بدأت بها، وكأن الركب كله انطلق من خاتم الأنبياء، وسار برسالات السماء، ثم انتهى إلى كربلاء، حيث تتجسد في الإمام الحسين عليه السلام رسالة الأنبياء في أبهى صورها.

أما لفظة «آيا» في خاتمة القصيدة، فهي استعمالٌ شعري مقصود أُريد به معنى «آية»، وقد عُدِل عن الرسم المألوف محافظةً على وحدة القافية وانسجامها الموسيقي، مع بقاء المعنى حاضرًا في ذهن المتلقي.

وهكذا تتحول زيارة الأربعين في هذه الرؤية الشعرية من مسيرةٍ بشرية إلى موكبٍ كوني، يتقدم فيه النبي محمد ﷺ والأنبياء عليهم السلام، ويقف الشاعر متشرفًا بأن يكون واحدًا من خدام ذلك الركب المبارك، في صورةٍ تجمع بين التواضع، والتناص القرآني، ووحدة الرسالات، والولاء للإمام الحسين عليه السلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds