أقلام

رحلة التحرر من الأنا إلى الله تعالى (٤) تحرر القلب من أسر الصورة

السيد فاضل آل درويش

هناك فهم خاطئ لمعنى الحرية الداخلية والقدرة على اتخاذ القرار أو الخطوة التي يعتقد الإنسان بصوابيتها؛ حيث يتصور أنها تعني فعل ما يرغب فيه ويحلو له، دون النظر في النتائج المترتبة عليه، فكم من تصرف غير مدروس أو طائش لم يجلب لصاحبه سوى الخيبة والخسران وعض أنامل الندم، بسبب ما أقدم عليه، حيث تجلى بعد ذلك الجانب الكارثي والمؤلم منه، بعد انحسار موجة النشوة وفرحة الإقدام .

ولكن الحرية الحقيقية هي التخلص من تبعات أسر الأهواء وعبوديتها؛ إذ يسير الفرد حينئذ خلف شهواته، بعد أن نحى جانبًا تصورات العقل الواعي، ودراسته للواقع، وتوقعاته واحتمالاته للنتائج المترتبة عليه.

كما أن البعض قد يتخلص من القرارات العمياء الواقعة تحت تأثير العاطفة وحدها، أو التقليد المذموم، أو إشباع الغرائز المتفلتة، فيقع في شباك الانقياد والتخوف من نظرة الآخرين، وتأثر مكانته الاجتماعية بسبب رأي يتبناه أو سلوك يمارسه لا يقع في نطاق مقبولية الآخرين. وحينئذٍ يعمل على الانسياق مع الجو الاجتماعي السائد، وإن كان غير مقتنع بصحته أو جدواه.

فهناك من العادات الاجتماعية ما لا موقع له من المنطقية والمقبولية، سوى أنه اشتهر في يوم من الأيام، ولكنه يسير خلفها، ويتخذ قراراته وخطواته بناء عليها، جريا على المألوف وخوفا من النظرة الشاذة أو المزدرية له.

وينبثق عن الخوف من الواقع الاجتماعي، بالنحو السلبي المخالف لمدركات العقل الواعي، الخوف من نظرات نقد الآخرين لأفكاره وتطلعاته ومشاريعه، وهذا بحد ذاته يكون عاملًا لتغيير دفة ما يتخذه من مسارات وخطوات، بالطبع هو غير مقتنع بها.

فعندما تتحرر النفس من قيود الهواجس الذاتية والمجتمعية غير المبررة، تتشكل فيها ما نسميه بالشجاعة الأخلاقية أو شجاعة المواقف؛ باتخاذ القرارات بناء على رضا الله تعالى، لا رضا الناس، والانقياد لمدركات العقل والنظر في عواقب الأمور، بدلًا من طلب رضا الناس وحيازة مقبوليتهم؛ لتكون مواقفه وأفكاره متخذة للمسار المبدئي الذي يبرز في كل حدث أو حوار؛ فالقناعات البشرية، على المستوى الفكري أو الاجتماعي أو القيمي، لا يمكن توحيدها واستنساخها في قالب واحد، بل هي نابعة من طريقة تفكير الفرد ونظرته إلى المفاهيم والأمور والأحداث.

ومجرد الاختلاف في شيء منها، إذا كان مستندا إلى دليل عقلي ومنطقي، فله ساحته واحترامه، مهما اختلف معه الآخرون. وما يعاب على الإنسان في اتخاذ خطواته وقراراته هو حالة التيهان والإمعية المجتمعية، حيث يغيب عقله عن دراستها وتنفيذها عن قناعة فكرية، أو أن يكون في دائرة التردد والخوف من وضع قدمه في أي مشروع، فيبقى رهينًا لهواجسه، أو أن يتخذ المسار الانتهازي ومراعاة المصالح والمنافع الذاتية، ضاربًا بعرض الحائط كل القيم والمبادئ التي يؤمن بها ويتحدث عنها في كل محفل واجتماع؛ فيتخذ خط الحرباء في خطواته، التي يتخفى فيها بالتلون وإظهار قناعات لا يؤمن بها في دواخله، أو تلك القرارات الصادرة منه بسبب وقوعه تحت نير الضغوط الحياتية أو الأسرية أو الاجتماعية، فيتصرف وهو مسلوب الإرادة، بل يجعل من الأحداث وتأثير من حوله ما يسيره.

إن التحرر الحقيقي لا يعني أن يفعل الإنسان كل ما يشتهي، وإنما أن يمتلك القدرة على أن يقول لأهوائه: لا، حين تكون مخالفة للحق، وأن يقول للناس: لا، حين يكون إرضاؤهم على حساب مبادئه، وأن يقول لنفسه: راجع، حين يكتشف أن قراره لم يكن قائما على وعي وبصيرة.

وهنا تتحول الحرية من مجرد انفلات من القيود إلى عبودية واعية لله تعالى؛ فالإنسان كلما تحرر من عبودية الهوى، ومن أسر الصورة الاجتماعية، ومن الخوف المفرط من أحكام الآخرين، اقترب أكثر من معنى العبودية لله تعالى، وهي أرقى صور الحرية وأصدقها.

فليست قيمة الإنسان فيما يراه الآخرون فيه، ولا في مقدار ما يحظى به من إعجابهم وقبولهم، وإنما في صدق علاقته بالله تعالى، واستقامة مواقفه، وشجاعته في أن يعيش وفق ما يعتقده حقا، ما دام مستندًا إلى وعي ودليل ومسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds