
هشام الرمضان
في الذكرى السنوية الرابعة والأربعين لوفاة الجد الحاج أحمد الشيخ علي الرمضان
«الجد الحاج أحمد بن محمد بن حسين، ابن الشيخ علي (الشهيد الثاني)¹، ابن الشيخ محمد (صاحب القصيدة النونية)²، ابن الشيخ عبدالله، ابن الشيخ حسن، ابن الشيخ علي الأول، ابن الشيخ عبدالنبي الرمضاني الدعبلي الخزاعي».
هناك رجالٌ يرحلون بأجسادهم، ولكنهم يظلون مقيمين في ذاكرة الزمن؛ لأنهم لم يتركوا وراءهم أسماءً فحسب، بل تركوا أخلاقًا تمشي بين الناس، وقيمًا تتوارثها الأجيال. ومن هؤلاء كان الجد العزيز، الحاج أحمد الرمضان، رحمه الله.
كان الحاج أحمد مقصدًا لكثير من الناس؛ فكان مجلسه ملتقىً لهم، يقصدونه لخياطة البشوت، كما يقصدونه للزيارة والمجالسة. وأياديه بيضاء للفقراء والمساكين، ولم تقتصر صلته على أبناء عمومته وأقاربه، بل كان هو أيضًا واصلًا لرحمه؛ فلم يكن يصل القريب فحسب، بل كان يصل حتى البعيد، ومجلسه قد لا يخلو من ضيف من أحبابه وأصدقائه.
وكان للجد، رحمه الله، صحبةٌ وثيقة وعلاقاتٌ طيبة مع عددٍ من أبناء عمومته وأصدقائه، ومن أبرز أصحابه الحاج عبدالله بن الشيخ حسن بن أحمد بن محمد الرمضان.
وقد نقل لي والدي (بوكميل) عن أحد أبنائه أن الجد، رحمه الله، كان شديد الصلة بالحاج عبدالله، حتى أنهما كانا معظم الأيام يقضيان وقتًا طويلًا معًا دون أن يشعرا بمرور الوقت، ولا يعودان إلى أهليهما إلا بعد أن يفتقدهما أهل البيت ويتساءلون عنهما.
ومن صداقاته وعلاقاته الوطيدة أيضًا علاقته بالمرحوم الحاج أحمد السلمان العلي، من أهالي القارة، الذي كان صاحب حملة للحج. وكان للجد، رحمه الله، تعلقٌ كبير به، حتى أنه لم يكن يحج إلا برفقته ومع حملته.
وفي سنة ١٣٩٥هـ، ذهب الجد إلى الحج مع حملة الحاج أحمد العلي، فاندلع حريقٌ كبير في مِنى، مما أدى إلى احتراق أمتعتهم وما كان بحوزتهم من متاع. وقد نقل الأهل أنهم عادوا إلى الأحساء بعد ذلك، ولم يكن معهم إلا إحراماتهم، بعد أن أتت النيران على ما كان معهم.
وكانت هذه الحادثة، على شدتها، واحدةً من المواقف التي بقيت حاضرةً في ذاكرة الأهل، وتُروى عند الحديث عن رحلات الجد إلى الحج، وعن علاقاته الوطيدة بأصحابه ورفاقه.
ومن علاقاته وصداقاته أيضًا ،يرويها ابنه الخال جاسم الرمضان، المكنّى بأبي الدكتور حسين، جانبًا آخر من علاقات الوالد، رحمه الله، فيقول:
“كان الوالد على علاقة قوية بالشيخ حسين الشواف، فكان يصلي فرائضه خلفه حينما كان الشيخ يصلي في مسجد الفوارس الكبير (مسجد بوخمسين)، وكان يلتقي به كل صباح في حسينية الشواف في الفوارس.”
أما السفر معه، فبحسب علمنا، فلم تكن لهما سفرات مشتركة.
وكانت له كذلك صداقةٌ وعلاقةٌ قوية بالشيخ أحمد الوايل، المقيم في العراق (الكاظمية)؛ فكان الوالد دائمًا يزوره ويلتقي به أثناء إقامته في العراق أو خلال زياراته إليها.
ومن صور صلته لرحمه أنه كان يشدّ الرحال إلى أبناء أخيه وابنته، الجدة الحاجة أم عمران، حينما كانوا في سوريا، وقد زارهم عدة مرات. وكذلك، إذا شدّ الرحال إلى زيارة الإمام الحسين، عليه السلام، كان يقصد بيت ابن عمه في الكويت، الحاج أحمد بن الشيخ علي بن الشيخ محمد صالح بن الشيخ أحمد بن الشيخ محمد صاحب النونية الرمضان.
زواجه
اقترن الجد، رحمه الله، بزوجته المرحومة السيدة شريفة بنت السيد هاشم بن السيد ناصر الحسين الجماز، وذلك قبل سنة ١٣٤٧هـ. وكانت خير زوجةٍ له، ورافقته في مسيرته وأسفاره، وكانت من جهة القرابة حفيدةَ عمته، أي سبطتها.
شغفه بالتجارة ورحلته إلى الرضا
كان للجد شغفٌ بالتجارة، ومن قصص ذلك أنه في إحدى زياراته إلى المولى أبي عبدالله الحسين، سلام الله عليه، سنة ١٣٨٠هـ، قرر أن يزور الإمام الرضا، عليه السلام. وكانت لديه رغبة في الاستفادة من رحلته تجاريًا؛ فاشترى بضاعةً موجودة في كربلاء بسعر رمزي، على أمل بيعها في إيران بسعر أعلى.
ولكن، كما يُقال: لا تجري الرياح بما تشتهي السفن؛ إذ إنه في طريقه مرّ على الجمارك، فاحتجزوا بضاعته، مما تسبب له في خسارة شديدة.
غير أن الله تعالى أنعم عليه بأحد أبناء عمه، وهو الحاج سلمان بن أحمد الهاجري، الذي كان آنذاك من كبار التجار، وكان يُلقَّب بـ«الوزير». فقد وقف إلى جانبه، وساعده وأعانه على السكن، واشترط عليه أن يبقى معه مدة خمسة وأربعين يومًا.
وخلال تلك المدة، كانت له لقاءات جميلة مع عدد من الأحسائيين وبعض أبناء العم، ومنهم: الحاج الوجيه يوسف بن موسى البوعلي، والشيخ كاظم العلي، المتولي لأمور الأحسائيين آنذاك، والحاج عبدالحسن بن الملا علي الرمضان.
نذوره لأئمة الهدى ومصابيح الدجى
رواية ابنه الخال جاسم الرمضان، المكنّى بأبي حسين: “كان الوالد، الحاج أحمد، رحمه الله، شديد التعلّق بالنبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين، عليهم الصلاة والسلام، فكان كثير الزيارة لهم، حتى إنه أقام في العراق سنواتٍ عديدة؛ ليكون قريبًا من مشاهد الأئمة، عليهم السلام، ويتردد عليها باستمرار.”
وقد انعكس هذا التعلّق بأهل البيت، سلام الله عليهم، على سلوكه وأخلاقه؛ فكان إذا تعرّض أحد أبنائه لمرض، بادر إلى عقد نذرٍ لله تعالى بأن يقدّم ذبيحةً سنويةً من خروف، باسم أحد أئمة أهل البيت، عليهم السلام.
فعندما أُصيب ولده عبدالله، أبو ياسين، رحمه الله، بمرضٍ في طفولته، عقد الوالد نذرًا لله تعالى: إن شفاه الله، أن يذبح ذبيحةً باسم أبي الفضل العباس، عليه السلام، في اليوم السابع من شهر محرم من كل عام.
كما عقد نذرًا آخر بأن يذبح ذبيحةً باسم القاسم بن الحسن، عليه السلام، في اليوم الثامن من شهر محرم من كل عام، وذلك بعد شفاء ولده جاسم من أحد الأمراض.
وقد استمر الوالد، رحمه الله، في أداء هذين النذرين سنويًا طوال حياته، حتى وفاته.
وهكذا لم يكن تعلّقه بأهل البيت، عليهم السلام، مجرد محبةٍ في القلب، بل كان حاضرًا في حياته وسلوكه وعبادته، وفي ما نذره لله تعالى من أعمال البر والوفاء.
شهادة من كتاب «أمالي آل رمضان»
وقد ذكره الجد الشيخ جواد الرمضان أبوحسن، رحمه الله، في كتابه «أمالي آل رمضان»، بقلم سلمان الحجي، فقال:
«العم الحاج أحمد يُعد من رجالات الرمضان؛ شخصًا تقيًّا ورعًا، محبًّا لأرحامه، يسعى لقضاء حوائج الناس من تزويجٍ وإصلاح ذات البين، عطوفًا على الفقراء والمحتاجين. عمل في بيع المشالح (البشوت)، متنقلًا بعمله في عدة مناطق بدول الخليج العربي».
وتأتي هذه الشهادة لتؤكد ما عُرف به الجد من صفاتٍ حميدة؛ فقد اجتمعت فيه صلة الرحم، ومحبة الناس، والسعي في قضاء حوائجهم، والعطف على الفقراء والمحتاجين، إلى جانب عمله في التجارة.
رحيله
ومضت حياته على هذا النهج، حتى ختم الله له حياته بعد سيرةٍ حافلةٍ بالمحبة، وصلة الرحم، وخدمة الناس، والوفاء بما نذر لله تعالى.
وفي 9 ربيع الأول سنة ١٤٠٤هـ، انتقل الجد الحاج أحمد إلى ربه الأعلى، مخلفًا وراءه ذكرًا طيبًا، وسيرةً عطرةً، وفجيعةً وحزنًا في قلوب كل من عرفه وأحبّه.
وهكذا بقي الحاج أحمد محمد حسين الرمضان ذكرى طيبةً في نفوس من عرفه؛ لا بما تركه من أثرٍ مادي فحسب، بل بما عُرف عنه من صلة الرحم، وقضاء حوائج الناس، والعطف على المحتاجين، وحسن التعامل مع الأقارب والأصدقاء.
وفي ذكرى رحيله، تستعيد العائلة سيرته، لا لتتذكر رجلًا غاب جسده فحسب، بل لتستحضر أثر رجلٍ بقي ذكره حاضرًا في نفوس أهله ومحبيه، بما خلّفه من محبةٍ وصلةٍ وإحسان.
فرحم الله الجد الحاج أحمد، وجزاه عن رحمه وأهله، وعن كل من أحسن إليهم، خير الجزاء، وجعل ما قدّمه من صلةٍ وإحسانٍ في ميزان حسناته، وأبقى ذكره الطيب سيرةً تتناقلها الأجيال، وذكرى حسنةً تحفظها العائلة وترويها لمن يأتي بعدها.
المصادر والمراجع:
-الجدة الغالية الحاجة فاطمة أحمد الرمضان أم عمران
-الخال الحاج جاسم أحمد الرمضان
-الخال المؤرخ حسين جواد الرمضان أبو علي
-كتاب أمالي الرمضان (بقلم سلمان) تأليف سلمان الحجي بو محمد
-الوالد محمد موسى الرمضان أبو كميل






