أقلام

من رماد التجارب (٢)

السيد فاضل آل درويش

ينظر البعض إلى المصاعب والتجارب المريرة بعين سوداوية تصوّرها وكأنها شر مطلق ومرحلة ألم تركت ندوبًا لا يمكن علاجها أو اختفاء آثارها، والحقيقة أنها محطات اختبار لحقيقة ما يمتلكه الإنسان من قدرات فكرية ومهارية يستطيع من خلالها معالجة الموقف بتأنٍّ وروية، فما يميز الإنسان في عنوان كرامته وعزته هو ذلك العقل المفكر الذي يعمل جاهدًا على البحث عن حلول ومخارج، وتلك الإرادة التي يمتلكها وتعينه على خوض غِمَار العمل الدؤوب والظفر بنهايات ونتائج تعبّر عن اجتهاده وإنجازه، فهذه المحطات الملأى بالمتاعب والأزمات ما هي إلا وسيلة تربية وتعليم للفرد يستقي منها الدروس والعِبَر، ويستلهم معاني الصبر والنَّفس الطويل وتخطي المراحل والعراقيل، فيخرج بعد تلك التجارب وقد استعاد توازنه الفكري والنفسي والوجداني واستطاع أن يحقق حيزًا لوجوده الفاعل والمنتج.

وقد يكون من آثار بعض التجارب هو الاستنقاذ الإلهي للإنسان الغارق في وحل الغفلة و الجهالة وانتشاله من الأوهام، وما كانت هناك من وسيلة لإيقاظه بعد أن استُنفذت التحذيرات وأجراس التنبيه الموجهة له إلا تلك التجربة الصعبة لعلها تحييه، ولعل بعثرة أوراقه النفسية والعاطفية كان لتلك التجربة اليد الطولى في لملمتها وإعادة ترتيب سلم الأولويات عنده، وتغيّر من تعامله السلبي أو الإهمالي مع عامل الزمن و تضييع الأوقات والفِرص.

وربما كانت بعض المتاعب والآلام تحمل بين طياتها رحمة خفية لا نفهمها ولا نعي آثارها الإيجابية إلا بعد حين من الزمن، فهناك من الحقائق المتعلقة بأنفسنا كنقاط الضعف والتقصير لا تنكشف إلا من خلال تجربة صعبة فنعمل على معالجتها بعد ذلك، أو أن الأمر يتعلق بمن حولنا ومن نمنحه الثقة والجدارة بأفكارنا وآمالنا فتتغيّر تلك القناعة بالأشخاص من خلال مواقف صعبة مررنا بها، وامتاز من خلالها الأشخاص من حولنا واستطعنا معرفتهم بنحو عملي.

وليس هناك من باب معالجة للنفس البشرية كالتجارب الصعبة تصنعها وتُضفي عليها التألق والارتقاء الروحي، فالإنسان في أوقات الراحة قد ينسى ضعفه وحاجته إلى الله تعالى وتأخذه مشاغل الدنيا والغفلة نحو الاعتداد بالنفس وانتفاخ الذات (الغرور)، ولكن الصعوبات والشدائد تكسر ذلك الغرور وتعيده مجددًا إلى دائرة معرفة النفس ومحدودية قدراتها، وتنبعث نفسه نحو الإيمان بالتقدير والتدبير الإلهي، ولهذا كثيرًا ما تكون المحن سببًا في ولادة إنسان أكثر وعيًا وصدقًا وقربًا من الله تعالى، فتصفو نفسه من الأوهام والأماني الكاذبة ويبدأ في بناء تطلعاته وفق الواقعية والتوكل على الله تعالى وطلب توفيقه.

ولعل في التجارب خير ما يعين الإنسان على مراجعة خطاه وأفكاره وخطاه المستقبلية، فعندما يمر الفرد بمعضلة أو أزمة فإن البعض يحاول التخلص من تبعات ومسؤولية ما صدر منه، من خلال الهروب نحو الأمام وإبداء التبريرات الوهمية أو إسقاط المؤثرية على الآخرين والظروف المصاحبة، بينما الإنسان العاقل ينظر إلى الموقف وكأنه مَدْرس يتعلّم و يستلهم منه الدروس والعبر، فيقصر نظره وجهده على المراجعة والمحاسبة الذاتية ومحاولة الإصلاح والتغيير والنهوض مجددًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى