
أحمد الطويل
تنويه:
صيغت هذه المقالة بأسلوبٍ فلسفي عقدي، وفق ما فهمه الكاتب واستفاده من المجلس الحسيني المنعقد مساء الثلاثاء (ليلة الأربعاء الأولى من شهر محرم الحرام 1448هـ)، في مسجد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بحي الدانة في سيهات، للخطيب الحسيني سماحة السيد مجاهد الخباز حفظه الله.
مقدمة:
ليس في كربلاء مشهدٌ التصق بوجدان المؤمنين كما التصق مشهد العطش.
فإذا ذُكر الإمام الحسين عليه السلام، حضرت الشفاه الذابلات، والكبد المتفتتة، والأطفال الذين أحدق بهم الظمأ، وحضر ذلك النداء الذي ما زال صداه يزلزل القلوب جيلًا بعد جيل.
وقد يتساءل البعض: لماذا بقي عطش الحسين حيًّا في ذاكرة الأمة؟ ولماذا ما زالت العيون تبكي بعد ما يزيد على ثلاثة عشر قرنًا؟
وهل كان العطش مجرد حالةٍ عارضة في يوم عاشوراء، أم أنه حقيقة ثابتة رافقت الإمام الحسين عليه السلام في أيامه الأخيرة.
وهل البكاء على الحسين مجرد انفعال عاطفي على حادثة تاريخية مضت، أم أن وراء هذه الدموع فلسفةً أعمق ورسالةً أبعد؟
إن هذه الأسئلة لم تكن غائبة عن العلماء والمؤرخين، بل شكلت محوراً للبحث والنقاش، غير أن الثابت الذي لا يكاد يقع فيه خلاف، أن عطش الحسين عليه السلام لم يكن صورةً أدبية نسجتها المخيلة، بل كان حقيقةً تاريخيةً وروائيةً متسالمًا عليها، حتى بين من اختلفوا في كثير من تفاصيل واقعة الطف.
متى بدأ العطش؟
اتفقت المصادر التاريخية والروايات على أن الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه قد تعرضوا للحصار المائي قبل شهادتهم، وأن العطش الذي عاشه الحسين عليه السلام لم يكن صورةً أدبية أو مبالغةً عاطفية، بل حقيقةً ثابتةً نقلها المؤرخون وأثبتتها الروايات.
ورغم بعض النقاشات التي أثيرت حول بعض التفاصيل، إلا أن أصل العطش مما لا يكاد يقع فيه خلاف، حتى غدا عنوان “الحسين العطشان” من أوضح العناوين التي التصقت بواقعة كربلاء.
غير أن السؤال الأهم ليس: كم يوم استمر العطش؟ بل: لماذا بقي عطش الحسين حاضرًا في وجدان الأمة، بينما غابت عن الذاكرة أحداث كثيرة مرت في التاريخ؟
حين يتكلم الجسد بلغة العطش
العطش ليس مجرد شعورٍ بالحاجة إلى الماء، بل إن الظمأ الشديد يترك آثاره على الجسد كله.
وقد أشار بعض العلماء، ومنهم الشيخ التستري، إلى أن العطش ترك آثاره على أعضاء متعددة من جسد الإمام الحسين عليه السلام.
فكانت الشفاه قد ذبلت وتشقت، حتى ورد في الزيارة الجامعة: “السلام على الشفاه الذابلات”.
وكانت الكبد قد أنهكها الظمأ، حتى نُقل عنه عليه السلام قوله: “اسقوني شربةً من الماء فقد تفتت كبدي”.
بل إن شدة العطش بلغت مبلغًا أثرت معه في اللسان، حتى روي أن علي الأكبر عليه السلام وجد لسان أبيه يابسًا كقطعة خشب من شدة الظمأ.
وأما العينان، فقد أظلمهما العطش وأضعف النظر، حتى أصبح العطش حاجزاً بين الجسد وبين قواه الطبيعية.
وهكذا لم يكن الحسين عليه السلام يواجه السيوف والرماح وحدها، بل كان يقاتل الألم والجوع والعطش في آنٍ واحد.
وإذا كان العطش قد أنهك جسد الحسين عليه السلام، فإن المأساة الأكبر أن الإنسانية اليوم تعيش أنواعًا أخرى من العطش؛ عطش الروح إلى الإيمان، وعطش الضمير إلى الحق، وعطش القلب إلى الطمأنينة. فكم من إنسان يملك الماء والطعام، لكنه يعيش فراغًا لا تملؤه الدنيا كلها. ولهذا لم يكن عطش الحسين مأساة جسدٍ فقط، بل كان صرخةً توقظ الإنسان من عطشٍ أشد خطراً، هو عطش الروح حين تبتعد عن الله.
هل مات الحسين عطشانًا؟
الإمام زين العابدين عليه السلام بكى أباه أربعين سنة. وكان يقول: “إن أبي قُتل عطشانًا.”
وهذا التعبير لم يكن وصفًا عابرًا، بل حقيقةً عاشها الإمام السجاد عليه السلام، وظلت ترافقه طوال حياته.
أما ما ورد في بعض الروايات من شرب الإمام الحسين عليه السلام للماء، فقد حمله العلماء على ما كان بعد انتقاله إلى دار الكرامة، لا على أنه ارتوى في الدنيا.
ولهذا بقي عنوان “الحسين العطشان” من أوضح العناوين التي التصقت بكربلاء.
عطش الحسين في دائرة التشريع
لم يقف أثر العطش عند الجانب التاريخي، بل امتد إلى الجانب التعبدي والتربوي.
فقد ورد في الروايات استحباب الإمساك إلى العصر يوم عاشوراء، لا بقصد الصيام، وإنما مواساةً للإمام الحسين عليه السلام ومشاركةً وجدانيةً لمصابه.
كما ورد الحث على استحضار مصيبته وذكر عطشه، حتى لا تتحول كربلاء إلى ذكرى بعيدة، ولا يصبح الحسين عليه السلام مجرد شخصية تاريخية تُذكر في الكتب، بل تبقى مصيبته حيةً في وجدان الأمة.
وهنا تتجلى حقيقة عميقة، وهي أن الشريعة لم تُرد لعطش الحسين أن يبقى حدثاً وقع في سنة إحدى وستين للهجرة ثم انتهى، بل أرادت أن يتحول إلى وعيٍ دائم، يربط المؤمن بقيم التضحية والصبر والوفاء.
فحين يمتنع المؤمن عن الطعام والشراب إلى العصر، أو يستحضر عطش الحسين عليه السلام بدمعةٍ أو ذكرٍ أو تأمل، فإنه لا يعيش حالةً عاطفيةً مجردة، بل يعلن أن كربلاء ما زالت حاضرة في وجدانه، وأنه يرفض أن يمرّ على تلك الفاجعة وكأنها حادثةٌ عابرة.
ولعل في ذلك رسالةً بليغة؛ فكما أراد أعداء الحسين أن يحولوا بينه وبين ماء الفرات، أراد أهل البيت عليهم السلام أن لا يحول الزمن بين الأمة وبين الحسين، وأن يبقى عطشه حاضرًا، لتبقى معه القيم التي استشهد من أجلها.
لماذا لا تجف الدموع؟
يعترض البعض: لماذا يستمر البكاء على الحسين بعد كل هذه القرون؟
والجواب أن القرآن نفسه يحدثنا عن يعقوب عليه السلام، الذي بكى على يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن، مع أن يوسف لم يكن قد قُتل أصلًا.
كما أن الروايات المتضافرة عند المسلمين تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله بكى على الحسين قبل وقوع المصيبة.
ثم إن الأمم كلها تحفظ مآسيها وشهداءها، وتقيم لهم النصب والمتاحف، ولا يعد ذلك أمرًا مستغربًا.
فكيف يستكثر على المسلمين أن تبقى دموعهم جارية على سبط رسول الله صلى الله عليه وآله؟
لكن الحقيقة الأعمق أن المؤمن لا يبكي على الحسين لأنه مات عطشانًا فحسب، بل لأنه يرى في كربلاء تجسيدًا لمظلومية الحق حين يُحاصر، وللقيم حين تُذبح، وللإنسان حين يُترك وحيدًا في مواجهة الظلم.
إن الدموع التي تُسكب على الحسين ليست بكاءً على الماضي، بل بكاءٌ على الحاضر أيضًا؛ لأن الإنسان حين يبكي الحسين، فإنه يبكي كل مظلوم، ويبكي غربته عن القيم، ويبكي ما أصاب الأمة من انحراف. ولهذا كان البكاء مدرسةً لإحياء الضمير، لا مجرد انفعال عاطفي عابر.
ولعل المفارقة العجيبة أن البشرية لم تكن يومًا أغزر ماءً مما هي عليه اليوم، لكنها ربما لم تكن أشد عطشًا مما هي عليه الآن. فقد نجح الإنسان في أن ينقل الماء إلى الصحارى، لكنه لم ينجح دائمًا في أن ينقل الطمأنينة إلى قلبه، وفتح أبواب الأرض كلها، لكنه كثيرًا ما عجز عن فتح باب السكينة في داخله. فالتقدم المادي لم يمنحه السعادة، والتقنية لم تمنحه الطمأنينة، وكثرة الوسائل لم تمنحه المعنى. ولهذا لم تعد مأساة الإنسان الكبرى هي أن يفقد الماء، بل أن يفقد المعنى. ومن هنا بقيت كربلاء حيّة؛ لأنها لا تتحدث عن عطش الجسد فقط، بل عن عطش الإنسان إلى الحقيقة والعدالة والرحمة. وكأن الحسين عليه السلام أراد أن يقول للأجيال كلها: ليس أخطر ما يقتل الإنسان أن يموت عطشانًا، بل أن يعيش بعيدًا عن الله، وقد مات فيه الضمير.
اللهم لا تحرمنا دمعةً على الحسين، ولا تظمئ قلوبنا بعد هدايتها، واحشرنا مع الحسين وأصحابه، برحمتك يا أرحم الراحمين.




