
علي الوباري
سيبقى المنبر الحسيني شكلًا بمظهره الخارجي والخطيب والحضور ومضمونًا بما يحمله الخطيب من رسالة ومعلومات وثقافة وما تتضمن تقسيمات من مضامين بالخطاب المقدمة والشرح والتفسير التحليل الفكري والخاتمة بالنعي، يؤدي الخطيب من خلال المنبر الحسيني أدوارًا متعددة ومستحدثة يواكب متغيرات الزمان وظروف المكان ومستجدات العصر فالمنبر هو أحد روافد الحصانة الدينية والوقاية الفكرية.
إن استحداث أدوات ورسائل الاتصالات التكنولوجية وتطور الخطاب العام الثقافي وتقسيمه بين اتصال معلوماتي وإقناعي وبياني وصوري مدعم بالأرقام والاستدلال التحليلي، وتقدير النتائج وضع خطاب المنبر الحسيني التقليدي أمام تحديات متنامية كلما تقدمت أدوات الاتصال والتواصل الرقمية أثرت على خطاب المنبر في مضمونه وشكله وواجه الخطاب المنبري منافسة شديدة، أصبحت أدوات التواصل الاجتماعي سارقة لشريحة كبيرة من الشباب، تبهرهم للاستمتاع والاستفادة في أماكن جلوسهم ومشيتهم وأثناء قيادتهم السيارة.
مميزات الاستماع لخطاب المنبر الحسيني بواسطة الجهاز الذكي ليس في مضمونه ومعلوماته ولكن في توافره بأي وقت وبأي مكان واختيار ما يناسب حامله والتحكم في إيقاف الاستماع والاستئناف. هذه المميزات وغيرها جذبت المتابع والمستمع في زمن غالبيته ارتباطات والتزامات شخصية ومهنية واجتماعية.
خطاب المنبر الحسيني أمام تحديات دائمة ومستجدة من خلال أدوات التواصل الاجتماعي خصوصًا بعد أن اصبح الذكاء الاصطناعي فاعلًا في تطبيقات وبرامج الأجهزة الذكية التي أصبحت مزاحمة لكل وسائل المنفعة والترفيه، فمن ناحية الفوائد فالاتصالات الرقمية دون شك أكثر سيطرة وفائدة بالمعلومات والثقافة حتى أن الخطيب نفسه قائد المنبر يعتمد عليه في البحث والمعلومات فالمقارنة بالفوائد المعلوماتية والثقافية ترجح كفة الأجهزة الذكية وتطبيقاتها، فلا ينبغي الحديث من أكثر فائدة ومنفعة، ولكن دوافع حضور المآتم الحسينية تتجاوز المكاسب المعلوماتية إلى ما هو أسمى مثل الأجر والثواب والتفاعل بالأجواء الحسينية التي يوفرها الحضور عند المنبر، وفيها قربة لله تعالى، فالتركيز على هذا الجانب الأهم والأولى وتأتي بعدها الفوائد المعرفية والثقافية.
نحن في بداية مرحلة الإنترنت والأجهزة الذكية والذكاء الاصطناعي التي تقرأ حاملها ومستخدمها وتتعرف على اهتماماته ورغباته وما يهمه من معارف وشؤون حياتية بل تجيب على أسئلة واستفسارات نقاشاته وتزوده بما ينقصه من معلومات ومعرفة، فمن الخطأ المقارنة بين معلومات الإنسان والأجهزة الذكية وبرامجها.
تفوق الذكاء الاصطناعي على من اخترعه وطوره في المعلومات والبيانات والتحليل والاستنتاج وهذا واضح لكل مستخدم.
ينبغي الاعتراف بجاذبية ما يبث في الأجهزة الذكية وبما يضيف من صور ويسد نقص المعلومات والتحليلات والمصادر لدى المتلقي، ويستحضر المعلومات والبيانات وأسماء المؤلفين وتواريخ إصداراتهم والإثباتات، فهو يحمل ذاكرة متعددة مصادر المعرفة والتحليلات بكل اللغات مع الترجمة الفورية.
إذن المسألة ليست في الفوائد الثقافية والمعلومات والبيانات والتحليلات، ولكن في حامل ووسيط ناقل للمعلومات وهو الإنسان (الخطيب) المتفاعل بالإحساس والمتناغم مع المتلقي بالمشاعر التي يبث رسالته ويشترك معه في الإيمان والرسالة، وخطاب المنبر الحسيني هو بيئة متكاملة بين المكان (الحسينية) وما تحتويه من منبر وحضور بمختلف الأعمار والمستويات المعرفية والنماذج والقدوات التي يتعلم الصغير من الكبير فيها ويتفاعل الكل في مشاعرهم واستجاباتهم، ولكن أهم ما في الثقافة الحسينية هو الخطيب (المرسل) بزيه وبهيئته المألوفة التي ينظر له المستقبل المشاهد والمستمع يستقبلان معلوماته ويشاهدان لغته الجسدية وأسلوب ومضمون خطابه، فالخطيب يستخدم الأسلوب الشفاهي المباشر ومن خصائص هذه الطريقة التأثير المباشر للخطيب في جمهوره من خلال خطابه المنبري المتضمن مفاهيم ومعاني دينية وأخلاقية متكررة، أن الخطيب قدوة في تقواه وسلوكه ينظر له المستقبل بأنه الشخصية التي تحمل رسالة مضمون الطف وناقل معاني قائدها الإمام الحسين عليه السلام، ومتأثر بقيمها في سلوكه وشخصيته، خطيب المنبر الحسيني في عصر الذكاء الاصطناعي ليس للمعلومات التي يقدمها فقط بل في مشاعره وما ينقله من أحاسيس وعواطف ينقل معاني الواقعة بكلمات ولغة جسدية مباشرة، هذا ما يميز الخطيب الإنسان عن التقنية الرقمية التي وفرت الوقت وخفضت الجهد بتوفير المصادر المعرفية والثقافية التي تعد من أصعب ما يواجهه الباحث والشيخ الخطيب، ويبقى بذل الجهد على الشيخ الخطيب ومقدم خطاب المنبر الحسيني في استعداده النفسي بتقديم ما يفيد ويثير الجديد والمستحدث في خطاب المنبر الحسيني، ولذا فالخطيب يمتاز على تقنية الذكاء الاصطناعي وأدوات التواصل الاجتماعي بأنه رمز بشري يتفاعل بإحساسه ويقدم شخصيته القيمية والسلوكية التي هي المؤثر الأول في المتلقي، فالخطيب هو منصب رمزي في ذاته ومؤثر في خطابه يتفاعل مع الجمهور بما يختار من أحاسيس ومعلومات مستقاة من المصادر الموثوقة.
الخطيب ينقل رسالة إلى جمهوره متضمنة معلومات وأدلة للإقناع بمهارة الطرح بمفردات ومصطلحات متنوعة وحديثة تناسب ثقافة المجتمع.
الخطيب تحت مجهر الرقابة الاجتماعية خطابه ومواضيعه محل نقاش المجتمع خصوًصا المثقفين وكلما تردد اسمه أكثر في النقاشات الثقافية والحوارات الاجتماعية أثبت أن الخطيب وخطابه مؤثران في المجتمع خصوصًا أنه يتحدث في موضوع يحمل مضامين سامية تعزز شخصية الموالي وترفع مستوى المجتمع عقائديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا.




