أقلام

دور عاشوراء في إحياء القيم

أشرف الأحمد

الحضارات لا تبنى بالأسمنت والحديد فقط، بل بالقيم والمبادئ. فكم يروي لنا القرآن الكريم قصص أمم سالفة ازدهرت، ولكنها انهارت أخلاقيًا من الداخل فباتت مجرد هيكلٍ خاويةٍ على عروشها! من هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف تحافظ الشعوب الحية والأمم الراقية على روحها وقيمها في زمن العولمة والسيولة الفكرية؟ وما الذي تحتاجه المجتمعات المعاصرة لترميم بوصلتها الأخلاقية والنفسية وسط أمواج الماديات الجارفة؟ هل يمكن لحدث تاريخي (واقعة كربلاء) أن يتحول إلى خزان قيمي ومحرك حضاري عابر للأزمنة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقودنا مباشرة إلى وعي سر موسم عاشوراء باعتباره المدرسة الأرقى لإعادة ضخ جينات القيم في شرايين المجتمع.

ولكن ما هي القيم؟ ولماذا هي مهمة؟

عالم الاجتماع المشهور أنتوني غدنز يذكر في كتابه علم الاجتماع تعريف مختصر للقيم بأنها “منظومة الأفكار التي تحدد ما هو مهم ومحبَّذ ومرغوب في المجتمع. وهذه الأفكار المجردة أو القيم هي التي تضفي معنى محدداً، وتعطي مؤشرات ارشادية لتوجيه تفاعل البشر مع العالم الاجتماعي”.

بعبارة أخرى القيم هي مجموعة المبادئ، والقواعد، والمعايير الأخلاقية (مثل: الصدق، والعدل، والوفاء، والشجاعة) التي نؤمن بها، ونعتبرها مقياساً للخطأ والصواب، ومن خلالها نختار كيف نتصرف في مواقف الحياة اليومية.

وهي مهمة لأنها تمنحنا هويتنا الإنسانية، وتحمينا من الضياع النفسي والتخبط الفكري، وتجعل لحياتك معنى وهدفاً أسمى من مجرد العيش البيولوجي. إضافة إلى حفظ تماسك المجتمع بحيث يتعايش فيه الناس بأمان وثقة متبادلة.

وفي حال غياب القيم أو انحسارها في مجتمع ما، فإن الأنانية ستطغى على السطح “أنا ومن بعدي الطوفان”، وتختفي قيم الإيثار والتكافل، وينتشر الفساد والجريمة بسبب غياب الوازع الداخلي، وتتفكك العلاقات وتتحول الروابط الإنسانية (الزواج، الصداقة، الأبوة) إلى مجرد “عقود مصلحة ونفع” تنتهي بانتهاء الفائدة، مما يؤدي للعزلة والقطيعة، ويفقد الشباب المعنى من وجودهم، وينقادون خلف اللذات المؤقتة و”الترندات” الفارغة، مما يرفع معدلات الاكتئاب والقلق الوجودي نتيجة الفراغ الداخلي. بل ويمتد تأثير ذلك على الجوانب المهنية والاقتصادية.

لذلك قال أمير الشعراء أحمد شوقي بيته الشهير عن الأخلاق والقيم: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت – فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا. ونحن نقول إن كربلاء لم تكن معركة عسكرية فقط، بل كانت “موسوعة قيمية متحركة”.

أمثلة من القيم المستلهمة من واقعة كربلاء

نهضة الإمام الحسين بن علي (ع) التي تمتد في الزمان من شهر رجب سنة 60هـ إلى نهاية شهر صفر 61 هـ، وما قبل ذلك وما بعده من أحداث، وفي الجغرافيا من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة إلى كربلاء إلى الكوفة إلى الشام ثم العودة للمدينة المنورة، تتضمن في جنباتها سلسلة من المواقف والأحداث والشخصيات التي تزخر بالقيم الراقية النبيلة التي تستحق أن ترصد ويقتدى بها، وهي أكثر من أن تحصى، ولكن نعرض هنا عدد منها:

1. الحرية ورفض التبعية حيث رفض الإمام الحسين (ع) الذل والخنوع والهوان.

2. العزة والكرامة الإنسانية ويتجلى ذلك في مواقف الإمام الحسين (ع) وأصحابه.

3. المسؤولية الاجتماعية والإصلاحية كما في وصية الإمام الحسين (ع) لأخيه محمد بن الحنفية التي حدد فيها بوصلة حركته: «إنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي (ص)، أُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب، فمَن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَن ردّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين».

4. بر الوالدين وتكامل الأجيال كما في حوار علي الأكبر مع أبيه الحسين (ع) عندما سمعه يسترجع (يقول إنا لله وإنا إليه راجعون)، فسأله عن السبب، فقال الحسين: إني خفقت برأسي فعنّ لي فارس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا فقال علي الأكبر: لا أراك اللّه سوءًا ألسنا على الحق؟ قال: بلى والذي إليه مرجع العباد فقال: يا أبت إذن لا نبالي أن نموت محقين! فقال عليه السّلام: جزاك اللّه من ولد خير ما جزى ولدا عن والده”.

5. القيادة الأخلاقية والرحمة بالخصوم عندما التقى الإمام الحسين (ع) بجيش الحر بن يزيد الرياحي وكانوا ألف فارس وقد أشرفوا على الهلاك من العطش، لم يستغل ضعفهم عسكرياً، بل أمر أصحابه قائلًا: «اسقوا القوم ورشفوا الخيل ترشيفاً». فسقاهم وخيولهم معًا.

6. الثبات على المبادئ حتى النفس الأخير كما في موقف أصحاب الحسين (ع) عندما خيّرهم بين البقاء أو الرحيل ليلة العاشر، فقام سعيد بن عبد الله الحنفي وقال: «والله لو علمت أني أقتل، ثم أحرق، ثم نثر رمادي، يفعل بي ذلك سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك».

7. الوفاء بالعهود (الالتزام الأخلاقي) كما في موقف العباس بن علي (ع) عندما عُرض عليه وعلى إخوته “صك الأمان” من قِبل شمر بن ذي الجوشن للرابطة النسبية بينهم بشرط ترك الحسين، فردّ العباس بقوة: «لعنك اللّه ولعن أمانك اتؤمننا وابن رسول اللّه لا أمان له».

8. العبادة والاتصال الروحي في أحلك الظروف: ليلة العاشر من محرم، عندما طلب الإمام الحسين (ع) تأجيل المعركة لليلة واحدة، معللًا ذلك بقوله: «فهو يعلم أني كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار». فباتوا ولهم دويّ كدوي النحل بين راكع وساجد.

9. الإيثار وتفضيل الآخرين على النفس عندما وصل العباس إلى مشرعة الماء وهو عطشان غائر العينين، ولمّا اغترف من الماء ليشرب، تذكّر عطش أخيه الحسين ومَن معه فرمى الماء وقال: «يا نفس من بعد الحسين هوني.. وبعده لا كنتِ أو تكوني.. هذا الحسين شارب المنونِ.. وتشربين بارد المعينِ؟».

10. مناصرة المظلوم ومواجهة الطغيان في موقف زهير بن القين الذي كان عثماني الهوى (مترددًا في البداية)، ولكن بعد لقاء خاطف مع الحسين (ع) تغيرت بوصلته تمامًا ووقف خطيبًا بوجه جيش يزيد قائلًا: والله لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشرت ثمّ قتلت حتّى أُقتل على هذه ألف مرّة وإنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك.

11. شجاعة الشباب في مواجهة الخوف: مقولة القاسم بن الحسن (ع) (الذي لم يبلغ الحلم بعد) عندما سأله عمه الحسين كيف تجد الموت؟ فأجاب بلا تردد: «يا عم، أحلى من العسل».

12. الصداقة الرسالية الصالحة في موقف حبيب بن مظاهر الأسدي عندما وصله كتاب الحسين (ع)، فترك الكوفة وجاء مسرعاً لنصرة إمامه.

13. الوعي والوفاء لقيادة المبدأ: تصريح العباس بن علي (ع) عند قطع يمينه، فلم ينوح على يده بل كان همه المبدأ والقائد: «والله إن قطعتموا يميني.. إني أحامي أبدًا عن ديني.. وعن إمام صادق اليقينِ».

14. شجاعة الاعتراف بالخطأ والتحول الذاتي (التوبة) كما في موقف الحر بن يزيد الرياحي عندما وقف بين الجنة والنار، فقرر الانحياز للحسين وجاء مطأطئ الرأس قائلًا: «اللهم إليك أنيب فتب علي، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك! يا أبا عبد اللّه إني تائب فهل لي من توبة؟».

15. نبذ القبلية والعنصرية (المساواة الإنسانية) عندما سقط الغلام (جون) شهيدًا، جاء الإمام الحسين (ع) ووضع خده على خده تمامًا كما فعل مع ولده علي الأكبر، ليعلن أن ميزان الكرامة هو التقوى والمبدأ لا العرق واللون.

16. استرخاص الغالي والنفيس في سبيل الله كما في تقديم الإمام الحسين (ع) لطفله الرضيع ذو الستة أشهر، وعندما ذُبح الطفل بين يديه، رمى بدمه إلى السماء وقال مواسياً نفسه: «هون ما نزل بي أنه بعين الله».

17. الرضا والتسليم المطلق للحق في مناجاة الإمام الحسين (ع) في آخر لحظات حياته وهو على رمضاء كربلاء مغطى بالجراح: «رضًا بقضائك، وتسليمًا لأمرك، وصبرًا على بلائك، لا معبود سواك يا غياث المستغيثين».

18. المرونة النفسية والصمود أمام الكوارث في الكلمة الشامخة للسيدة زينب (ع) في مجلس ابن زياد، بالرغم من أسرها ورؤيتها لمجزرة عائلتها، عندما سألها: “كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟” فقالت: «ما رأيت إلا جميلًا! هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع اللّه بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمّك يا ابن مرجانة».

19. دور المرأة القائدة والرسالية: دور السيدة زينب (ع) في الكوفة عندما قلبت الرأي العام بخطبتها البليغة حتى أبكت الناس في ذلك المجلس.

20. الصبر الإستراتيجي والدفاع عن العقيدة في موقف الإمام السجاد (ع) بالرغم من مرضه الشديد وثقل القيد في يده، وقف في الشام يخطب ليهدم كبرياء بني أمية قائلًا: «أيها الناس، أُعطينا ستاً وفُضلنا بسبع: أُعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين».

ولتحقيق أكبر استفادة من موسم عاشوراء في مجال القيم واكتسابها، نحتاج إلى تحويل مجلس العزاء من مجرد استماع مؤقت إلى ورشة عمل نفسية وفكرية، حيث يسأل كل شاب نفسه بعد كل محاضرة: “كيف أطبق هذه القيم في وظيفتي، وجامعتي، وبيتي؟”.

لن تكتمل الرسالة إلا إذا انتقلت طاقة التطوع والتكافل الراقية التي نراها في المآتم والمواكب طوال الأيام العشرة، لنترجمها طوال العام إلى مشاريع خيرية، وتنموية، وتعليمية مستمرة تخدم المجتمع. إن كربلاء لم تكن لتنتهي بانتهاء المعركة، وعاشوراء لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء الموسم، بل هي نقطة الانطلاق السنوية لإعادة بناء الإنسان وصيانة قيمه العليا.

إن موسم عاشوراء هو دعوة مفتوحة لكل شاب واعي لكي لا يقف عند حدود الدمعة والعاطفة -على أهميتها وعظمتها- بل ليتجاوزها نحو استيعاب الفكرة، وتحويل قيم كربلاء إلى سلوك يومي، ومواقف حية، ومشاريع إصلاحية تنهض بالمجتمع وتصنع الإنسان الرسالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى