
أحمد الطويل
مقدمة:
في زمنٍ كثرت فيه العلاقات وقلّ فيه الإخلاص، وكثرت فيه الأسماء وغابت المعاني، يعود اسم أبي الفضل العباس عليه السلام ليطرح سؤالًا مؤلمًا على عالم اليوم: لماذا بقي هذا الرجل حيًّا في القلوب بعد أكثر من ألف وثلاثمائة عام؟
لم يكن العباس عليه السلام فارسًا شجاعًا فحسب، ولا بطلاً خُلّد بسبب موقفٍ عابر، بل لأنه جسّد معنى الأخوة في أنقى صورها، حتى أصبحت حياته مدرسةً يتعلّم منها الناس كيف يكون الوفاء، وكيف تكون الحماية، وكيف يكون الفداء.
فالناس لم ترَ فيه أخًا جمعته بالحسين عليه السلام رابطة الدم فقط، بل رأت فيه سرَّ الأخوة الحقيقي؛ الأخ الذي جعل من نفسه سندًا لأخيه، وحارسًا لأخته، وملاذًا للأطفال، حتى أصبح رمزًا للوفاء الذي لا يتغير، وللتضحية التي لا تعرف الأنانية.
فالقرابة وحدها لا تصنع الأخوة، وإلا لما خان إخوة يوسف أخاهم، ولما امتلأت الدنيا اليوم بخصومات الإخوة وأوجاع العائلات.
إنما الأخوة الحقيقية تُبنى بالوفاء، وتحفظها المواقف، وتظهر حقيقتها عند الشدائد.
ومن هنا لم يكن أبو الفضل العباس عليه السلام مجرد أخٍ للحسين، بل كان سرًّا من أسرار الأخوة التي افتقدها العالم، وما أحوج الإنسانية اليوم إلى أن تستعيد هذا السر من جديد.
الأخوة في ميزان القرآن
لم ينظر القرآن الكريم إلى الأخوة على أنها مجرد رابطة دم أو اشتراك في النسب، بل جعلها مسؤوليةً وأمانةً وموقفًا. ولذلك لم تكن كل أخوةٍ وردت في القرآن أنموذجًا يُحتذى، بل عرض القرآن صورًا متعددة ليكشف أن القرابة وحدها لا تكفي لصناعة الوفاء.
فإخوة يوسف عليه السلام كانوا أبناء أبٍ واحد، لكن الحسد أطفأ نور الأخوة في قلوبهم، حتى تحولت رابطة الدم إلى وسيلة للظلم، فقالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾.
فلم تمنعهم الأخوة من الخيانة، لأن الأخوة الحقيقية لا تقوم على النسب وحده، بل على الرحمة والوفاء وحفظ الحقوق.
وفي المقابل، يرسم القرآن صورةً أخرى للأخوة في قصة موسى وهارون عليهما السلام، حين سأل موسى ربه أن يجعل أخاه معينًا له، فقال: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾، فجاءه الجواب الإلهي: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾.
وكأن القرآن يريد أن يقول إن الأخ الحقيقي ليس من يشاركك الاسم أو النسب، بل من يشد عضدك إذا ضعفت، ويحمل همك إذا أثقلتك الحياة، ويقف إلى جانبك حين تتكاثر المحن.
ولم يقتصر الإسلام على أخوة النسب، بل وسّع دائرتها لتشمل أخوة الإيمان، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾،
ليجعل الأخوة رابطةً تقوم على الإيمان والمحبة والتراحم والتكافل، لا على المصالح العابرة والمنافع المؤقتة.
ومن هنا كانت الأخوة الحقيقية أعظم من مجرد قرابة، لأنها تُختبر عند الشدائد، وتنكشف حقيقتها حين تتزاحم المصالح، ويصبح الإنسان بين أن يقدّم نفسه أو يقدّم أخاه.
ولهذا نسي التاريخ أسماء كثير من الإخوة، لكنه حفظ أسماء أولئك الذين تحولت أخوتهم إلى مواقف خالدة. حفظ من جعل من نفسه سندًا لأخيه، ودرعًا يحميه، وعونًا له في ساعات الشدة.
ومن بين هذه النماذج المضيئة، يبرز أبو الفضل العباس عليه السلام بوصفه صورةً نادرة للأخوة كما أرادها القرآن؛ أخًا لم يكتفِ برابطة الدم، بل جعل من الوفاء رسالة، ومن الحماية مسؤولية، ومن الفداء طريقًا. ومن هنا لم يكن مجرد أخٍ للحسين عليه السلام، بل أصبح سرًّا من أسرار الأخوة التي ما زالت الإنسانية تبحث عنها.
حين تحولت الأخوة إلى فداء
كثير من الناس يعرفون معنى الأخوة في أيام الرخاء، ولكن حقيقتها لا تنكشف إلا حين تضيق السبل، وتشتد المحن، ويصبح الوفاء ثمنه الدم لا الكلمات.
وهنا يقف أبو الفضل العباس عليه السلام شامخًا في تاريخ الإنسانية، لا بوصفه أخًا جمعته بالإمام الحسين عليه السلام رابطة الدم فحسب، بل لأنه حوّل هذه الرابطة إلى عهدٍ لا ينفصل، عاش له ومات عليه.
لم يكن العباس عليه السلام يرى نفسه إلى جانب الحسين، بل كان يرى نفسه ظِلَّه الحارس، وسنده الذي لا يتأخر، وسوره الذي لا يُخترق. لم يعش لنفسه يومًا، بل ذاب وجوده في خدمة أخيه وإمامه، حتى صارت كرامته من كرامته، ومصيره من مصيره.
ولم يكن وفاؤه للحسين عليه السلام وحده، بل امتد إلى أهل بيته جميعًا؛ فكان كفيل السيدة زينب عليها السلام، وموضع أمان للأطفال، وركن المخيم الذي تستند إليه القلوب حين يشتد الخوف.
وحين مُنع الماء عن مخيم الحسين عليه السلام منذ السابع من المحرم، حمل العباس همَّ العطش قبل أن يحمل القربة، حتى صار ساقي عطاشى كربلاء لا لقبًا، بل معنىً حيًّا للوفاء.
وفي يوم عاشوراء، لم يكن يبحث عن نجاة، بل عن ماءٍ يصل إلى الأطفال. وحين بلغ الفرات، ومد يده إلى الماء، انتصر صوت الوفاء على صوت العطش، فترك الماء وهو يقول: يا نفس من بعد الحسين هوني، وبعده لا كنتِ أن تكوني.
وهنا بلغت الأخوة ذروتها؛ لم يعد العباس يفكر في نفسه، بل صار عطش الحسين أعظم من عطشه، ودموع الأطفال أغلى من حياته.
ثم مضى بالقربة نحو المخيم، فقطعت يمينه، ثم شماله، لكنه لم يُسقط رسالته، وكأن التاريخ كله يقف شاهدًا على معنى واحد: أن الأخ الحقيقي قد يفقد كل شيء إلا وفاءه.
وحين سقط على الأرض، لم يكن سقوطه نهاية رجل، بل نهاية مرحلة كاملة من معنى الأخوة في التاريخ الإنساني؛ أخوة لا تُقال، بل تُبذل.
وهكذا لم يكن أبو الفضل العباس عليه السلام مجرد أخٍ للحسين، بل كان كشفًا لمعنى الأخوة حين تتحول من علاقة إلى تضحية، ومن رابطة إلى فداء، ومن كلمة إلى موقف يُكتب بالدم.
الأخ الذي افتقده العالم
إذا كان العباس عليه السلام قد قدّم للأخوة صورتها الكاملة، فإن السؤال المؤلم هو: أين تقف أخوتنا اليوم من أخوته؟
لقد أصبح العالم أكثر اتصالًا، لكنه في الوقت نفسه أكثر وحدة. وكثرت وسائل التواصل، لكن جسور القلوب أخذت تتآكل شيئًا فشيئًا، حتى بات الإنسان يشعر أحيانًا بالغربة بين أقرب الناس إليه.
ولعل أكثر ما يؤلم أن كثيرًا من الجراح لا تأتي من الغرباء، بل من الإخوة أنفسهم. فكم من بيتٍ تصدّع بعد وفاة الأب بسبب نزاع على ميراث، وكم من رحمٍ تقطعت بسبب مالٍ زائل أو مصلحة عابرة، وكم من أخٍ أثقلته الحياة فلم يجد من أخيه إلا الغياب، أو وجد منه الاعتذار حين كان ينتظر العون.
وكأن الأخوة عند بعض الناس تحولت إلى رابطة نسب تُثبتها الأوراق، لا رابطة مسؤولية تحفظها المواقف.
بينما كان العباس عليه السلام يرى أن أخاه الحسين عليه السلام ليس مجرد أخٍ يجمعه به الدم، بل أمانةً يحملها، ورسالةً يعيش لها، وموقفًا لا يتراجع عنه مهما كان الثمن. ولذلك لم يسأل يومًا: ماذا سأخسر؟ بل كان يسأل: كيف أحفظ أخي وأهل بيته؟
ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
فالأخوة في منطق القرآن ليست مجرد علاقة عائلية، بل مسؤولية وإصلاح ورحمة ومواساة، وحفظ للقلوب من أن تتصدع تحت ضغط الدنيا.
وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام: “المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدةً فيخلفه”.
فالأخ الحقيقي ليس من يشاركك الاسم أو الميراث، بل من يكون سندًا لك إذا ضعفت، وسترًا لك إذا أخطأت، وعونًا لك إذا احتجت، وحضورًا صادقًا حين يغيب الآخرون.
واليوم، ونحن نبكي أبا الفضل العباس عليه السلام، لا يكفي أن نبكي عطشه وقطع كفيه، بل ينبغي أن نسأل أنفسنا: كم أخًا يحتاج إلى كلمة منا ولم نقلها؟ وكم أخًا أثقلته الحياة فلم يجد منا يدًا تمتد إليه؟ وكم رحمًا انقطعت بسبب كبرياء صغيرة أو دنيا زائلة؟
لقد افتقد العالم أخوة العباس، لأن كثيرًا من الناس صاروا يتنازعون على ما تركه الآباء، بينما علّمنا العباس كيف يترك الإنسان نفسه كلها من أجل أخيه.
وقد لخّص الشاعر هذه الحقيقة بقوله:
أحقُّ الناسِ أن يُبكى عليهِ
فتىً أبكى الحسينَ بكربلاءِ
أخوه وابنُ والده عليٌّ
أبو الفضل المضرجُ بالدماءِ
ولعل مأساة هذا العصر ليست في قلة الإخوة، بل في قلة الأخوة. فالعباس عليه السلام لم يكن أخًا للحسين عليه السلام بالدم فقط، بل كان أخًا بالموقف، وأخًا بالوفاء، وأخًا بالفداء، ولذلك بقيت أخوته حيّةً في ضمير الأمة، بينما ماتت أخوات كثيرة وهي لا تزال تسكن البيوت نفسها.
ومن هنا فإن أعظم عزاء نقدمه لأبي الفضل العباس عليه السلام ليس الدموع وحدها، بل أن نعيد للأخوة معناها الذي افتقده العالم؛ أن يكون الأخ سندًا لا خصمًا، ورحمةً لا عبئًا، وملاذًا لا مصدر خوف. فحاجة الناس اليوم إلى أخلاق العباس أعظم من حاجتهم إلى الحديث عنه، لأن العالم لا تنقصه قصص الأخوة، بل تنقصه الأخوة نفسها.
الدرس الذي لم ينتهِ
لم يكن أبو الفضل العباس عليه السلام بحاجة إلى أن يترك وصيةً مكتوبة، فقد كتب وصيته بيديه المقطوعتين، وبالقربة التي لم تصل، وبحياةٍ كاملةٍ اختار فيها أن يكون سندًا قبل أن يكون بطلًا.
ولعل العالم اليوم لا يعاني من قلة الأقوياء بقدر ما يعاني من قلة الأوفياء، ولا من فقدان الإخوة بقدر ما يعاني من فقدان معنى الأخوة. فكم من أخٍ يعيش وحيدًا بين إخوته، وكم من أختٍ تفتقد السند وهي محاطة بأقرب الناس إليها، وكم من رحمٍ مزقتها المصالح وأطفأت نورها خصومة على مالٍ أو كلمة.
وحين نقف عند سيرة أبي الفضل العباس عليه السلام، فإننا لا نقف أمام بطولةٍ عسكرية فحسب، بل أمام مدرسةٍ أخلاقية تعلم الإنسان كيف يكون وفيًّا حين يتغير الناس، وكيف يكون سندًا حين يتخلى الآخرون، وكيف يحفظ من يحب حتى لو دفع من نفسه ثمن ذلك.
ولهذا فإن السؤال الذي تتركه لنا سيرته لا يتعلق بالماضي وحده، بل بالحاضر أيضًا: هل نريد العباس دمعةً في العين فقط، أم نريده خُلُقًا يسري في بيوتنا وعلاقاتنا؟ وهل سنعلّم أبناءنا كيف يبكون العباس، أم كيف يكونون أوفياء مثل العباس؟
إن العالم لم يفقد الإخوة، بل فقد معنى الأخوة. وما أحوج بيوتنا اليوم إلى شيءٍ من قلب أبي الفضل العباس، وشيءٍ من وفائه، وشيءٍ من ذلك السر العظيم الذي جعله خالدًا في ذاكرة الإنسانية.
فليس الخالد من عاش طويلًا، بل من ترك قيمةً تبقى بعده. وقد بقي العباس لأن الناس رأت فيه الأخ كما ينبغي أن يكون: يحفظ، ويستر، ويساند، ويفدي.
ولهذا لم يكن أبو الفضل العباس عليه السلام أخًا للحسين عليه السلام وحده، بل صار معيارًا يُقاس به معنى الأخوة في كل زمان.
اللهم ارزقنا قلوبًا تعرف الوفاء، واجعل لنا من أخلاق أبي الفضل العباس نصيبًا.




