أقلام

السيد علي الناصر السلمان والقراءة

يوسف الحسن

ظلت القراءة مرافقة لعالم الدين الأحسائي الأول سماحة السيد علي الناصر السلمان رحمه الله طوال فترات حياته إن في العراق أو في الأحساء والدمام، منعكسة على أحاديثه الموسوعية حينما يتطرق لأي موضوع. كما بقي موضوع القراءة هاجسًا بالنسبة له يحاول إثارته في كثير من المناسبات؛ داعيًا الشباب إلى عدم هجر الكتب، وموجهًا نصائح سنوية للخطباء بضرورة تكثيف القراءة والاطلاع أكثر على مختلف المصادر والمراجع أثناء تحضيرهم لخطاباتهم.

وحينما سألت أحد طلابه ومن كان قريبًا منه في مدينة الدمام لفترة طويلة عن علاقة السيد بالقراءة قال بأنه عندما كان يزوره في منزله كان يراه منهمكًا في القراءة في مكتبته يقرأ في مختلف جوانب الحياة والأدب وليس فقط في الجوانب الدينية، كما كان يحاول أن يكمل كتابة عدد من مؤلفاته التي بدأها منذ مدة ولكنه لم يطبعها بعد، ويبدو أنه يجري العمل حاليًّا على طباعة بعضها مع مجموعة شعرية له.

وأضاف الكاتب المعروف الأستاذ جاسم المشرّف بأنه كان حينما كان يهدي السيد بعض كتبه الجديدة؛ فإنه لا يتأخر في قراءتها ثم يبدي رأيه وملاحظاته حولها ما يدلل على قراءته لها بدقة، كما كان يدعوه دائمًا إلى أن يسمّي الأمور بمسمياتها وألا يجامل أحدًا في مؤلفاته.

وعن علاقته القديمة بالقراءة قال المشرّف عن السيد رحمه الله بأنه في فترة وجوده في العراق وقبل أن يبدأ دراسته الدينية على يد السيد الشهيد محمد باقر الصدر رحمه الله فإنه قرأ كتابيه الشهيرين فلسفتنا واقتصادنا، وكان لا يفوته أي كتاب أو مقال ينشر للسيد الشهيد، ولأهم الأسماء اللامعة في الحراك الثقافي في تلك المرحلة.

وهكذا فلم يكتف العلامة السيد علي السلمان بدراسة العلوم الدينية بمختلف مراحلها ومستوياتها، بل أضاف إلى ذلك قراءاته المتنوعة في مختلف مجالات الثقافة والأدب والعلوم والتاريخ، وهو ما صرح به رحمه الله للكاتب الأستاذ سلمان بن حسين الحجي في كتاب (فسحة المجالس.. مقاعد الصدق في مجلس السيد علي الناصر السلمان) الذي يعد كمذكرات شخصية كتبها على لسان العلامة السيد السلمان. فقد قال في فصل (القراءة في النجف وبرامج العلماء) ص289: كانت قراءتي في النجف الأشرف تمتد لأكثر من خمس ساعات يوميًّا، بل أكثر من ذلك. وأذكر أنّه في أحد الأيام شرعتُ في القراءة منذ الصباح، فتوجه أحد الأصدقاء إلى كربلاء المقدسة ورجع منها، وأنا ما زلت غارقًا في المطالعة لم أترك مكاني.

وأضاف السيد: وهذا ليس غريبًا في أجواء النجف؛ فهناك أساتذة كانت برامجهم في القراءة أطول بكثير. ومنهم المرحوم الشيخ علي بن زين الدين. المصدر السابق.

وعن فترة تواجده في العراق قال السيد: إذ يتمتع العراقيون بمستوى ثقافي بارز، ولديهم شغف عميق بالقراءة يمتد حتى إلى عامة الناس، لا يقتصر على المثقفين وطلبة العلم… ويتميز المجتمع العراقي بأن حب القراءة جزء من أصول التربية فيه؛ فالطفل ينشأ في بيئة تقدر الكتاب وتحترم القراءة، ولهذا نجد الإقبال على المعرفة ممتدا في جميع الشرائح الاجتماعية. وقد كنت أيام دراستي في العراق أكثر قراءة بكثير مما أنا عليه اليوم، نظرا لتهيّؤ الظروف هناك وتوفر بيئة فكرية ملهمة ومشجعة. ص 269-270

ثم تحدث سماحته عن برنامجه في القراءة بقوله: وكان برنامجي في القراءة يعتمد على ما أستطيع شراءه من الكتب، وإن صعب عليّ الشراء في بعض الأحيان، عوضته بالاعتماد على المكتبات العامة، مثل مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام)، مكتبة كاشف الغطاء، مكتبة الحكيم، مكتبة الرابطة، وقد اتبعت برنامجًا يوميًّا بالساعات، ساهم كثيرًا في تنمية قلمي وتحريك ملكة الكتابة لدي. وقد كتبت خلال تلك الفترة أعمالًا متنوعة – إضافة إلى أبحاث الخارج – منها: الإنسان بين المادية والروحية، بعض الأبحاث الأصولية، دراسات حول تاريخ الجاهلية، وغير ذلك من الموضوعات التي نشأت من ولع القراءة والكتابة. ص 270

وفي مقر إقامته في مدينة الدمام كانت القراءة برنامجه الأساس حين يكون في منزله، كما أخبرني أحد المقربين إليه والذي يجالسه كثيرًا ويدخل منزله على الدوام وهو سماحة السيد عبدالله العلي إمام مسجد الإمام الحسن في حي الأندلس في الأحساء. وأضاف السيد عبدالله أن السيد لديه مكتبة كبيرة تضم آلاف الكتب في منزليه في الدمام.

كما كان سماحته يشجع الناس على القراءة والمطالعة وطلب العلم إن في خطاباته العامة أو في مجالسه الخاصة، ولم يدخر جهدًا في سبيل نشر الكتب وتأسيس المكتبات في المواقع التي يزورها أو يعلم عنها.

أما ابنه الدكتور السيد حسين – وهو استشاري في طب الأسرة وكان يقيم مع والده في نفس المنزل ويتابع الحالة الصحية له باستمرار – فقد قال لي بأن السيد كان يقضي ساعات طويلة من وقته في المكتبة حين يكون في البيت؛ مطالعًا لشتى صنوف الأدب والعلوم، ولم تكن قراءاته تقتصر على الجوانب الدينية أو الفكرية. وأضاف الدكتور حسين بأن والده لم يبتعد عن القراءة إلا في الفترة الأخيرة من حياته حينما أصاب المرض عينيه.

وحدثني أحد المقربين منه بأن القراءة في الجوانب الصحية كانت من الأمور التي يواظب عليها، ويلاحظها المقربون منه حين ينتقي من أصناف الطعام ما يناسب حالته الصحية، ويحذر مرافقيه من الإكثار من بعض الأطعمة التي يراها ضارة بهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds