أقلام

الهشاشة الاجتماعية، ووعي العلماء

رباب حسين النمر

أشاد سماحة الشيخ عبدالله البحراني بالدور الواعي الريادي الذي قام به سماحة السيد علي الناصر رحمه الله في هذا المجتمع، وأشار إلى إسهاماته الاجتماعية في تشييد الجمعيات الخيرية والمساجد ودور العبادة والمستشفيات. جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها ليلة الحادي عشر من شهر محرم الحرام، وعنونها بالهشاشة الاجتماعية، في محاور ثلاثة واصفًا الإنسان الهش اجتماعيًّا بأنه الأقل حظًّا من ناحية الفرص، مشيرًا إلى أن هذا المصطلح لا ينمو إلا في فراغ، ويتغذى من بيئات معرفية مشوهة أو مشبوهة عمدًا أو صدفة، وهي داخلة تحت عنوان صناعة الجهل ويكون عبر أداة الإعلام بشكل رئيس، موضحًا في المحور الأول أن مفهوم الهشاشة يكون في الفئات الأقل حظًّا على مستوى المعيشة الاجتماعية من قبل المجتمع لأسباب متعددة، قد تكون اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو دينية وعرقية ومذهبية، لأن هذه الأسباب تعمل على الإقصاء، وقد يُتناول هذا المصطلح تحت عنوان المركز والهامش، لأن الأنظار تنصب عادة على المركز ففيه صناعة القرار وقوة التحويل والهامش يقع في الطرف القصي من كل شيء فقد يكون الإنسان مهمشًا اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا أو سياسيًّا وكل مجال من هذه المجالات له مبررات في تهميشه وإقصائه. وإذا أراد أن يبرر فلا يعدم الوسيلة، وهذا الإقصاء يوجِد حالة في الطرف الآخر. ويضيف سماحته” إذا كان هناك إنسان هش أو مجتمع هش وهو في حالة سقوط علي أن أوفر نوعًا من الشباك يلتقط هؤلاء. وهذا أمر بالغ الأهمية. وأخطر ما في الموضوع أنها قد تكون عفو الخاطر ولكن على الغالب تتم صناعة وبرمجة لهذا الموضوع، حيث تتحول هذه الهشاشة عند بعض الجهات إلى مشروع، وفي سبيل إنجازه يعمل ويخطط له ويضع له منهجًا ويوظف من يقوم بإضعاف هذه الجوانب، مثل خطط إفقار الآخر وجعله في حد الكفاف” ثم ضرب سماحته مثالًا تاريخيًّا وهو قيام معاوية بإفقار الأنصار لتركيعهم وهذه حالة إفقار متعمدة، معلقًا (وهذا ما تنبأت به الزهراء حينما قالت: ” وأبشروا بهرج ومرج وسيف صارم يجعل فيأكم زهيدًا وحبكم حصيدًا” والسبب أنهم لم يتحركوا حينما كان الإمام علي عليه السلام بحاجة إلى نصرتهم حفاظًا على المكتسبات) مبينًا أن مصطلح الهشاسة يُعد تركبًا اجتماعيًّا لا يمكن إغفاله ولهم طابع سلبي كبير في العقل الجمعي بالمجتمعات لأنه يدل على أقصى درجات الضعف وقلة الحيلة والقدرة، مقررًا أن المجتمعات تحتاج إلى من يرفع مستوى هذه الكيانات حتى تغادر منطقة الهشاشة إلى المنطقة الأكثر أمانًا. ثم تساءل سماحته: (هل كل المجتمعات على مستوى واحد من التعرض لمثل هذا الإيذاء؟ أو هناك من يعمل على فئة معينة أو كيانًا معينًا فيعمل عليه في دائرة ضيقة لإضعافه وإيصاله لمستوى الهشاشة؟) وأجاب( هذه قضية كبيرة الكل معرض لها ) مستشهدًا بقوله تعالى “خلق الإنسان ضعيفًا” ففطرة الإنسان مجبولة على الوهن والضعف.

وبين سماحته أن أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة قامت على مبدأ عدم التخلي عن أحد بغية بناء مجتمعات قوية وصلبة وذلك بسد ثغرات الهشاشة، مؤكدًا على أن هذه الثغرات ليست واضحة ولا مرئية ولا سهلة الكشف، معلقًا “ولذلك على المجتمعات أن تعمل من حيث البدء على اكتشاف هذه الثغرات ودراستها ومحاصرتها وأخذ أرقام وإحصاءات حتى يكون العمل عليها دقيقًا لتتجاوز هذه الثغرات”. وفي هذا الصدد عرض سماحته تعريف الهشاشة في التحالف الدولي للصليب والهلال الأحمر لعام ٢٠١٩م الذي قدم مفهومًا مميزًا لحالة الهشاشة من مواقع عملهم الميداني حيث يعرفها التحالف على أنها (افتقار الأفراد والمجموعات للقدرة على التوقع والتكيف والمقاومة والتعافي من آثار الأخطار البشرية والطبيعية). مشيرًا لدور الجمعيات الخيرية في معالجة الفقر بتوفير سبل الحياة الكريمة بحيث يصبح الفقير قادرًا ومستطيعًا وهذا بحد ذاته يخفف العبء عن الجمعيات.

ثم تعرض سماحته لمفهوم السيولة الفكرية، وفي مقابلها الصلابة الفكرية التي تعني إن هناك إنسان مؤسس فكريًّا ومؤهل بشكل جيد يحتفظ بهويته الوطنية فلا يستطيع أحد تجنيده لفكر ضال أو منحرف، ويعلم بحق الوطن وحرمة الدماء والولاء للوطن فلا يسمح لأحد بالمزايدة على وطنيته أيًّا كان وأن هذه البلاد أمنها ومقدراتها تمثل خطًّا أحمر، وهويته الدينية على مذهب الإمام جعفر الصادق عليه السلام، والتمذهب يفرض عليه التزامات وتعليمات من العلماء الذين يضعون كل ما من شأنه أن يحفظ هذا الجانب. “فإذا كنت مؤسسًا بشكل صحيح فأنت تتمتع بالصلابة الفكرية” أما السيولة الفكرية فهي في الإنسان الذي من السهل التلاعب به، وهو مائع ومُسال فكريًا ورخوًا ولينًا، يلعب الآخر بإعداداته في ظل عدم وجود أسس قوية لديه، وهو هش، ثم عرض سماحته عدة تعريفات للهشاشة الفكرية “مفهوم يصف حالة الشخص المتقلب المائع جدًّا في أفكاره ومعتقداته، وذلك لكون الفرد لديه قابلية التأثر بحيث يميل لتصديق كل ما يصل إليه دون التدقيق فيها والتحقق”، “هي سمة تقيس سذاجة الإنسان وكلما قلت ثقة الإنسان بنفسه كلما كانت سذاجته كبيرة وقل تبعًا لها مستوى احترام الإنسان بداية لنفسه” مبينًا القنوات التي تغذي قابلية التأثر الساذجة مثل وسائل التواصل، والأصدقاء والأساتذة والأفكار الوافدة، لأنها عندما تجد أحدًا يسهل التلاعب بأفكاره، مستشهدًا بقول الإمام علي ع “الناس ثلاثة، فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيؤوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق”.

٤وفي المحور الثاني (صناعة الجهل) وضح سماحته أن المراد منه إرادة أن لا ينهض هذا المجتمع بل جعله ينغمس في كل ما من شأنه أن يجعله خاليًا من القيم التي تحميه والأفكار التي ينهض بها والمستوى العلمي الذي يعتد به، ثم ضرب سماحته مثلًا بقوله: “ولذلك ترى الأحساء تتميز برجالها، مجتمع يزخر بالكفاءات وفيه مذاهب متعددة متعايشة منذ القدم، ويفترض أنه مجتمع لا يسهل اختراقه لأنه محصن فكريًّا وسمته أنه مميز، ولكن الآخر يحاول أن يعمل عليه وهو في حد ذاته مجتمع مقاوم” مؤكدًا على أن الشركات والمنظمات والأحزاب التي تقوم بصناعة الجهل تبتكر الطرق العديدة لإيجاد أجيال هشة فكريًّا يسهل استقطابها واستغلالها لتحقق الغايات، من خلال صنع الشك والهشاشة في عقول الناس من خلال الفضاء الرقمي للتأثير على تفكير الناس والشباب خاصة بطريقة ناعمة تعرف بصناعة الجهل، موضحًا أن لغتهم ناعمة ومؤدبة تظهر جانب الأدب الجم، ولكنهم مكشوفون ولو حاولوا التخفي خلف الألفاظ واستخدموا أقنعة متعددة، معلقًا (الجهل لا يعني غياب المعرفة فقط بل قد يكون بمعنى سوء إدارة المعلومات وسوء فهمها عبر خلق حالة من الإرباك والشكوك عند نفسية الجمهور من خلال عدم اليقين وهيمنة الصورة)، كما أشار سماحته لمعززات القيم الاجتماعية والوطنية والمذهبية مثل الحوار والبحث عن الأدلة، وصناعة الوعي في مقابل صناعة الجهل، مشيدًا بدور السيد علي الناصر رحمه الله في هذا الحقل قائلًا ” نعيش في هذا الشهر انكسارًا بفقد عالم كبير جدًّا كان وجوده الذي امتد ستين عامًا يشكل صناعة الوعي في المجتمع، ويشكل ضمانة اجتماعية وهو العلامة السيد علي الناصر رضوان الله عليه. في ذلك الوقت وقف بمفرده وصبر وتحمل وحصل معه من الفضلاء من سند وجوده ولكنه في فوهة المدفع. ومستقبل كل الذين انتقلت حياتهم قبله.

وقد وجد مجتمعًا يحتاج إلى الكثير من المكونات التي تضمن بقائه واستمراره ولذلك عمل على هذا المنوال مكونًا شخصية استثنائية حفظت وجودًه وحفظت هوية واضحة للمجتمع. لم يكن التعامل معه بصفته عالم دين فقط بل استطاع أن يكون أبًا للجميع على امتداد أجيال، وهو رمز استطاع أن يحافظ على توفير أصول لإقامة الشعائر والعمل الخيري، عمل على إنشاء مسجد وحسينيات وأوقافًا وحوزات علمية ومنشآت طبية وجمعيات خيرية، وحملات حج وجمعيات إصلاح ذات البين، وكلها ترفد الاستدامة، لقد أوجد وعيًا في زمن صناعة جهل، وقاوم صناعة الجهل بصناعة الوعي. وهذا الزمن لا يجود بمثل هذا الرجل كثيرًا. ومن نتاجه استطاع أن ينشئ جيلًا يضمن هذه الاستدامة وهذا يدل على أنه كان يمتلك عقلًا ووعيًا استشرافيًّا إستراتيجيًّا وينظر للأمور من أعلى، فقد أنشأ جيلًا يضمن الاستدامة بعد انتقاله للرفيق الأعلى وقد تخرج على يديه جيل من العلماء والفضاء وله خير وعلم وأيادٍ بيضاء ولذلك ليس بمستغرب وجود من يتعمد ضرب هذه الشخصية فلا ترمى إلا الأشجار المثمرة، زرع المبادئ في العقول مع وجود من يدعم صناعة الجهل. فلا غرو أن يستهدف مثله”. وفي المحور الثالث أشار سماحته إلى أن جهاز الإعلام يستطيع التأثير على الغير من خلال الصورة والإعلانات الإجبارية التي تدفعك للشراء وتزين الدنيا وتضعها في قالب جميل يحاصرك، ولذلك (يلعب الإعلام دورًا مهمًّا في تكوين صورة ذهنية عند الأفراد حيال القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية سلبية كانت أو إيجابية مصاغة مغلفة بالإثارة والتشويق) لافتًا النظر لدراسات تستشعر أن هناك خطرًا كبيرًا. وعرض وصية المرجع الأعلى السيد علي السيستاني للشباب (وإياه أن ينزلق في التشكيك بالمبادئ الثابتة لتوجيه مشروعية ممارساته وسلوكه اقتفاء لشبهات لم يصر في البحث فيها او استرسال في أفكار غير ناضجة اغترارًا بهذه الحياة وزبرجها أو امتعاضًا من استغلال بعض لاسم الدين للمصالح الشخصية، فإن الحق لا يقاس بالرجال بل يقاس الرجال بالحق ) مشددًا على ضرورة دراسة الشبهات والحصول على رافع يرفعها وداعيًا الشباب للتؤدة وعدم الاستعجال وتحري الحق، مؤكدًا على أن الصورة الذهنية والبصرية إذا رسخت في الذهن لا أحد يستطيع اقتلاعها، وأشار سماحته لدور الأدب متمثلًا بشعراء آل البيت في تثبيت هذه المفاهيم وهذه الحرقة والألم. ولذلك كان أهل البيت بأنفسهم يحيون مجالس الإمام الحسين مثل الإمام الرضا والإمام الباقر والإمام علي بن الحسين يظهر الجزع طوال حياته ويوظف كل شيء لمناداته بمظلومية الإمام الحسين عليه السلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds