أقلام

الصوت الذي بقي (8) حين أصبحت المدينة جامعةَ الأمة

أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة الثامنة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول كيف بلغت المدرسة العلمية لأهل البيت عليهم السلام ذروة ازدهارها في عهد الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، حتى أصبحت أكبر نهضةٍ علمية في تاريخ الإسلام.

مقدمة:

قد يحفظ المصلح فكرةً، وقد يؤسس العالم مدرسةً، لكن قلةً من الرجال يكتب الله لهم أن يصنعوا عصرًا كاملًا.

وهذا ما تحقق في زمن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.

فلم يبدأ الإمام مشروعًا جديدًا من الصفر، بل تسلّم مدرسةً أرسى الإمام محمد الباقر عليه السلام قواعدها، وغرس جذورها في تربةٍ أعدّها الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام من قبل، حتى جاء الوقت الذي أذن الله فيه لتلك الشجرة أن تمتد أغصانها في أرجاء العالم الإسلامي.

ولم يكن ازدهار هذه المدرسة نتيجة فراغٍ سياسي فحسب، ولا ثمرة ضعف الدولة الأموية أو قيام الدولة العباسية وحده، بل كان جزءًا من التدبير الإلهي لمسيرة الإمامة؛ إذ تهيأت ظروفٌ لم تجتمع لأحدٍ من الأئمة قبله، فاستثمرها الإمام الصادق عليه السلام في أداء أعظم وظائف الإمامة في تلك المرحلة: بناء العقل الإسلامي، وترسيخ المرجعية العلمية لأهل البيت عليهم السلام، ومواجهة التيارات الفكرية التي بدأت تتكاثر في العالم الإسلامي.

لقد دخل المسلمون آنذاك عصرًا جديدًا؛ عصر الأسئلة الكبرى. فلم تعد التحديات تقتصر على ظلم السلطة أو الانحراف السياسي، بل ظهرت مدارس فكرية، واتسعت حركة الترجمة، وكثرت المناظرات، وبرزت الشبهات العقدية والفلسفية، حتى أصبح الإسلام بحاجةٍ إلى مدرسةٍ تمتلك القدرة على الجمع بين عمق الوحي، وقوة البرهان، وسعة المعرفة.

ومن هنا لم يكن الإمام جعفر الصادق عليه السلام مجرد محدّثٍ أو فقيه، بل كان قائد أعظم نهضةٍ علمية شهدها تاريخ الإسلام، حتى تحولت المدينة المنورة في عهده إلى قبلةٍ للعلم، يقصدها الآلاف من مختلف الأمصار، ويجلس في حلقاتها طلاب المعرفة على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم، لتبدأ مرحلةٌ جديدة من مراحل “الصوت الذي بقي”؛ لا صوت البقاء بعد المأساة، ولا صوت التربية بعد الانكسار، ولا صوت التأسيس بعد الصمت، بل صوت العلم حين أصبح رسالةً للعالم كله.

حين امتلأت المدينة بطلاب العلم

لم تعرف المدينة المنورة، منذ عصر رسول الله صلى الله عليه وآله، حركةً علمية كتلك التي شهدتها في عهد الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام. فقد تحولت إلى مقصدٍ لطالبي المعرفة من مختلف الأمصار، حتى غدت حلقات الإمام ملتقى العلماء، والفقهاء، والمحدثين، وأصحاب الرأي، وطلاب الحقيقة، يجلسون جميعًا بين يديه، ينهلون من علمٍ بقي متصلًا بمنبع الرسالة.

ولم يكن هذا المشهد وليد المصادفة، ولا نتيجة شهرةٍ شخصية، بل ثمرة المدرسة التي نمت جذورها عبر أجيال الإمامة، حتى بلغت في عهد الإمام الصادق عليه السلام مرحلةً غير مسبوقة من الاتساع والرسوخ.

وقد روي أن عدد من تخرجوا على يديه بلغ الآلاف، حتى قال الحسن بن علي الوشاء: “أدركت في هذا المسجد (ويقصد مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ، كلٌّ يقول: حدثني جعفر بن محمد”. وهذه الشهادة لا تكشف كثرة التلامذة فحسب، بل تكشف حجم الحضور العلمي الذي أصبح الإمام يمثله في العالم الإسلامي.

ولم يكن مجلسه يقتصر على أبناء مدرسته أو أتباعه، بل كان مفتوحًا لكل طالب علم، مهما كان مذهبه أو اتجاهه. فقد جلس إليه فقهاء، ومفسرون، ومتكلمون، بل وحتى أصحاب الآراء الفلسفية والكلامية، لأن الجميع كانوا يدركون أن في هذا البيت علمًا لا يوجد في غيره.

وهنا استعادت المدينة رسالتها الأولى؛ فلم تعد مجرد موطنٍ لذكريات النبوة، بل أصبحت من جديد منارةً للعلم، ومركزًا للإشعاع الفكري، حتى غدت بحق أكبر جامعة عرفها العالم الإسلامي في ذلك العصر.

حين أصبح العلم مشروعًا لبناء الأمة

لم يكن الإمام جعفر الصادق عليه السلام يسعى إلى إنشاء مدرسةٍ يكثر فيها الطلاب، أو مجلسٍ يتنافس الناس على حضوره، وإنما كان يريد أن يعيد للعلم وظيفته الحقيقية؛ أن يكون سبيلًا لإحياء الأمة، لا وسيلةً للتفاخر أو الجدل.

فقد كان العالم الإسلامي آنذاك يعيش حراكًا فكريًا واسعًا؛ تعددت فيه الآراء، وكثرت المدارس، وظهرت أسئلةٌ لم تعرفها الأجيال الأولى بهذا الاتساع. ولم يعد الناس يطلبون من العالم أن يروي النصوص فحسب، بل أن يبين معانيها، ويكشف مقاصدها، ويجيب عن الإشكالات التي فرضها الواقع الجديد.

ومن هنا جاء منهج الإمام الصادق عليه السلام مختلفًا؛ فلم يكن يكتفي بإلقاء الأحكام، وإنما كان يعلّم أصحابه كيف يفكرون، وكيف يستنبطون، وكيف يربطون بين القرآن الكريم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، والعقل الذي جعله الله أداةً لفهم الوحي، لا بديلًا عنه.

ولهذا لم تكن حلقاته العلمية تقتصر على الفقه، بل امتدت إلى تفسير القرآن، والعقيدة، والأخلاق، والسيرة، والحديث، بل وحتى ما يرتبط بالكون والإنسان، لأن الإسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن دينًا يعالج جانبًا من الحياة ويترك سائر جوانبها، وإنما رسالةً تهدي الإنسان في كل شؤونه.

وقد لخّص الإمام الصادق عليه السلام هذا المنهج بقوله: “علينا إلقاء الأصول، وعليكم التفريع”. وهي كلمةٌ تكشف أن المدرسة لم تكن تقوم على الحفظ وحده، بل على الفهم، ولا على التقليد الأعمى، بل على بناء الملكة العلمية التي تمكّن التلميذ من استنباط الأحكام في ضوء الأصول التي أرساها أهل البيت عليهم السلام.

وهكذا تحولت الجامعة الصادقية إلى مدرسةٍ تصنع العلماء، لا المقلدين، وتبني العقول، لا الذاكرة وحدها. فلم يكن الطالب يخرج منها حافظًا للروايات فحسب، بل قادرًا على فهمها، وربطها بمقاصد الشريعة، والجواب عن أسئلة الناس، وحمل الرسالة إلى مجتمعه.

ولذلك لم يكن أثر هذه الجامعة في كثرة من حضر مجالسها فقط، وإنما في جودة من تخرج فيها؛ إذ خرج منها رجالٌ أصبحوا فيما بعد مراجع للعلم، وروادًا في الفقه، والحديث، والتفسير، وسائر علوم الإسلام، حتى بقيت آثار تلك المدرسة ممتدةً في الحياة العلمية الإسلامية إلى يومنا هذا.

حين اجتمع المختلفون على مائدة العلم

لم تكن جامعة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام مدرسةً خاصة بأتباعه، ولا مجلسًا مغلقًا على بيئةٍ دون أخرى، بل كانت منبرًا علميًا مفتوحًا لكل باحثٍ عن الحقيقة، مهما اختلف مذهبه، أو بلده، أو طريقته في النظر.

ففي عصره اتسعت حركة العلم، وازدادت الأسئلة، وتعددت الاتجاهات الفكرية، وأصبحت المدينة المنورة مقصدًا للعلماء وطلاب المعرفة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وكان مجلس الإمام الصادق عليه السلام يستقبل الجميع، لأن غايته لم تكن الانتصار لفئةٍ على أخرى، بل إحياء العلم الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله.

ولهذا جلس بين يديه فقهاء ومحدثون ومتكلمون، كما حضر مجلسه رجالٌ أصبحوا فيما بعد من كبار أئمة الفقه والحديث في العالم الإسلامي، فأخذوا عنه، ورووا من علمه، وأقروا بسعة معارفه وعلو منزلته.

ولم يكن الإمام يميز بين طالبٍ وآخر إلا بمقدار صدقه في طلب العلم؛ فقد كانت الكلمة عنده أمانة، والعلم رسالة، والحقيقة حقًا مشاعًا لكل من يطلبها بإخلاص.

وقد جسّد القرآن هذا المعنى بقوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)﴾، (الزمر: 17-18).

فالاستماع إلى الآراء المختلفة لم يكن غايةً في ذاته، وإنما وسيلة للوصول إلى الحق. ولهذا لم يكن الإمام يخشى الحوار، ولا يضيق بالأسئلة، بل كان يفتح باب البحث، ويقود العقول إلى اليقين بالحجة والبرهان.

ومن هنا اكتسبت الجامعة الصادقية مكانتها الفريدة؛ إذ لم تكن تقوم على التعصب، وإنما على قوة الدليل، ولم تكن تفرض القناعة، وإنما تبنيها. ولذلك أصبحت مقصدًا لطالبي العلم، حتى غدا اسم الإمام الصادق عليه السلام مرادفًا للمعرفة والفقه في عصره، وأصبح مجلسه أحد أعظم المجالس العلمية التي عرفها تاريخ الإسلام.

حين أصبح العلم ميراثًا للأمة

لم يكن أثر جامعة الإمام جعفر الصادق عليه السلام مقصورًا على عصرها، ولا على المدينة المنورة، بل تجاوز حدود الزمان والمكان، حتى أصبحت من أعظم المنابع التي نهلت منها الأجيال اللاحقة.

وقد اشتهر في المصادر أن عدد من روى عن الإمام الصادق عليه السلام بلغ نحو أربعة آلاف رجل، وهو رقمٌ يكشف حجم الحركة العلمية التي دارت حوله، ويبين أن مدرسته لم تكن مجلسًا محدودًا، بل جامعةً حقيقية امتدت آثارها في مختلف أرجاء العالم الإسلامي.

لكن قيمة هذه الجامعة لم تكن في كثرة روادها وحدها، وإنما في نوعية ما خرّجته من علماء. فقد خرج منها الفقيه، والمفسر، والمحدث، والمتكلم، وأصبحت علوم أهل البيت عليهم السلام، بفضل هذه الكوكبة، تنتقل إلى الأجيال بصورةٍ منظمة، بعد أن كانت مهددة بالضياع أو التشويه.

ولهذا لم يكن الإمام الصادق عليه السلام يبني مشروعًا يرتبط بشخصه، بل كان يؤسس منهجًا يبقى بعده. فالعالم الذي تخرّج في مدرسته لم يكن ناقلًا للروايات فحسب، وإنما حاملًا لفهمٍ متكامل للإسلام، يجمع بين القرآن الكريم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، والعقل، والأخلاق، وفقه الواقع.

ومن هنا بقي أثر هذه المدرسة حاضرًا في التراث الإسلامي قرونًا طويلة، حتى أصبحت كثيرٌ من المعارف التي وصلت إلينا عن أهل البيت عليهم السلام ثمرةً مباشرةً لذلك المشروع العلمي الكبير.

غير أن اتساع هذه الجامعة، وما شهدته من تنوعٍ في الوافدين إليها، لم يكن يعني أن الطريق أصبح خاليًا من التحديات. فكلما ازدهر العلم، ازدادت الأسئلة، وظهرت أفكارٌ وافدة، ونشأت تياراتٌ عقدية وفلسفية حاولت أن تعيد تشكيل وعي المسلمين، مستفيدةً من حالة الانفتاح الفكري التي عاشها ذلك العصر.

وهنا برز وجهٌ آخر من عظمة الإمام جعفر الصادق عليه السلام؛ فلم يكن مؤسس أكبر جامعةٍ علمية في الإسلام فحسب، بل كان أيضًا الحارس الأمين لعقيدة الأمة، الذي واجه الانحراف بالحجة، وصان الإسلام الأصيل بالبرهان، حتى بقيت مدرسة أهل البيت عليهم السلام منارةً تجمع بين سعة العلم، وصحة الاعتقاد.

ويبقى السؤال

لم يكن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام مجرد عالمٍ كثرت حلقات درسه، ولا فقيهًا أجاب عن آلاف المسائل، بل كان صاحب مشروعٍ حضاري أعاد للأمة مرجعيتها العلمية، وحوّل بيت النبوة إلى أكبر جامعةٍ عرفها تاريخ الإسلام.

لقد أصبحت هذه الجامعة الامتداد الطبيعي للمشروع الذي بدأه الإمام الحسين عليه السلام بالتضحية، وحفظه الإمام زين العابدين عليه السلام بالتربية، وأرسى أسسه العلمية الإمام محمد الباقر عليه السلام، حتى بلغت في عهد الإمام الصادق عليه السلام ذروة نضجها واتساعها، فأخرجت أجيالًا من العلماء، وحفظت علوم الإسلام الأصيل، وأعادت بناء العقل المسلم على هدي القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله.

غير أن اتساع الحركة العلمية لم يكن يعني انتهاء التحديات، بل ربما كان بدايةً لامتحانٍ أشد. فقد كان العصر نفسه يشهد ظهور تياراتٍ فكرية وفلسفية وعقدية متعددة، واختلاط الثقافات، واتساع حركة الترجمة، وظهور من حاول أن يعيد تفسير الدين بعيدًا عن منبع الوحي.

وهنا برز وجهٌ آخر من عظمة الإمام جعفر الصادق عليه السلام؛ فلم يكن دوره مقتصرًا على تعليم الآلاف، بل كان أيضًا المدافع الأول عن عقيدة الإسلام، والمصحح للمفاهيم، والمحاور الذي واجه الانحراف بالحجة، حتى بقيت مدرسة أهل البيت عليهم السلام منارةً تجمع بين عمق العلم، وصفاء العقيدة، وقوة البرهان.

فكيف واجه الإمام جعفر الصادق عليه السلام تلك التيارات الفكرية والعقدية؟ وكيف استطاع أن يحفظ هوية الإسلام الأصيل وسط ذلك الانفتاح الفكري الواسع، وأن يرسخ المنهج الذي بقي أثره حيًا إلى يومنا هذا؟

ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds