
حسين الحاجي
ليست كل الصداقات تُقاس بعدد سنواتها ، لكن بعض الصداقات يمنحها الزمن قيمةً لا تستطيع الكلمات أن تفي بحقها . وهكذا كانت علاقتي بالأخ العزيز أبوحسن عبدالمحسن بن حسن النمر رحمه الله ، التي امتدت لعشرات السنين ، حتى أصبحت المواقف فيها أصدق من العبارات ، والوفاء أبلغ من الكلام .
عرفت أبو حسن رجلاً هادئاً في طبعه ، رفيعاً في خلقه ، صادقاً في مودته ، قريباً من القلوب بعفويته وتواضعه . لم يكن ممن يلفتون الأنظار بكثرة الحديث ، بل كان حضوره الهادئ ، وأدبه الرفيع ، وحسن تعامله ، كفيلاً بأن يترك في النفوس احتراماً يسبق اسمه ، ومحبةً تبقى بعد غيابه .
فالحديث قد يصف الإنسان ، أما الأيام فهي التي تكشف حقيقته . وهكذا كان أبو حسن ، رحمه الله ، فما عرفناه عنه لم يكن حديثاً يُروى ، ولا صفات تُقال ، بل مواقفَ شهدت بها الأعوام ، وسيرةً طيبةً كتبتها أخلاقه ، وتركت في القلوب من الأثر ما يغني عن كثيراً من الثناء .
وحين يرحل أمثال أبو حسن ، ندرك أن الغياب ليس دائماً نهاية الحضور . فهناك رجال يغيبون عن الأبصار ، لكنهم يبقون في الدعوات ، وفي الذكريات الجميلة ، وفي كل قلب عرف صدقهم ، ولمس نبل أخلاقهم . فما تركه في القلوب من أثراً جميلاً هو خير شاهداً على سيرةٍ عطرة عُرفت بالمودة والوفاء .
لقد فقدنا أخاً عزيزاً وصديقاً وفياً ، لكن عزاءنا أن من عاش للناس بخلق كريم لا يرحل تماماً ، لأن الله يُبقي له في القلوب محبة ، وعلى الألسنة ذكراً حسناً ، وفي الدعوات نصيباً لا ينقطع .
اللهم صل وحدته وآنس وحشته وارحم غربته ، وأسكن إليه من رحمتك رحمةً يستغني بها عن رحمة من سواك . اللهم إن عبدك عبدالمحسن قد أفضى إلى ما قدم ، وأنت أكرم مسؤول وأوسع مأمول ، فاجعل أول منازله رحمة وآخرها رضواناً وأسكنه جنة عرضها السموات والأرض ، واحشره مع محمد وآل محمد عليهم السلام ، وألحقه بعبادك الصالحين .





