أقلام

الصوت الذي بقي (9) حين حرس الإمام الصادق عقيدة الأمة

أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة التاسعة من سلسلة «الصوت الذي بقي»، وتتناول الدور العقدي والفكري للإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، وكيف واجه التيارات المنحرفة، ورسَّخ المنهج الأصيل، وحفظ هوية الإسلام في مرحلةٍ كانت من أكثر مراحل التاريخ الإسلامي اضطرابًا فكريًا.

مقدمة

قد يكون بناءُ مدرسةٍ علميةٍ عظيمةٍ إنجازًا استثنائيًا، لكن المحافظة على نقاء الرسالة وسط طوفان الأفكار أشدُّ صعوبةً وأعظم أثرًا.

ففي عصر الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، لم يعد الخطر الأكبر يتمثل في بطش السلطة وحده، ولا في إقصاء أهل البيت عليهم السلام عن موقعهم الطبيعي، بل ظهر تحدٍّ جديد أخذ يتسلل إلى العقول قبل أن يصل إلى الواقع. فقد اتسعت حركة الترجمة، ودخلت الفلسفات الوافدة إلى العالم الإسلامي، وظهرت مدارس كلامية متباينة، وبرز من حاول أن يعيد تفسير الدين بعيدًا عن القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى أصبح المسلم العادي يسمع في العقيدة الواحدة آراءً متعددة، وفي القضية الواحدة عشرات التأويلات.

وفي مثل هذا المناخ، لم يكن يكفي أن يكون الإمام الصادق عليه السلام معلِّمًا للفقه أو محدِّثًا بالروايات، بل كان لا بد أن يكون الحارس الأمين لهوية الإسلام، فيكشف الزيف بالحجة، ويواجه الانحراف بالبرهان، ويعيد للعقل المسلم توازنه، دون أن يسمح للخلاف الفكري أن يتحول إلى قطيعةٍ مع الوحي.

ومن هنا اتخذ مشروعه بُعدًا جديدًا؛ فلم تعد الجامعة الصادقية مكانًا لتلقي العلوم فحسب، بل أصبحت حصنًا لحماية العقيدة، ومنبرًا للحوار، ومدرسةً تؤسس منهجًا علميًا يجمع بين الإيمان والعقل، وبين النص والبرهان، حتى بقي أثره حاضرًا في التراث الإسلامي إلى يومنا هذا.

ولذلك لم يكن أعظم ما واجهه الإمام كثرة الخصوم، بل كثرة الشبهات، ولم تكن أعظم إنجازاته إسكات المخالفين، بل تأسيس منهجٍ يجعل الحقيقة قادرةً على الدفاع عن نفسها بالحكمة والعلم.

حين أصبح البرهان طريقًا إلى الحقيقة

لم يكن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يعيش زمنًا يواجه فيه خصمًا واحدًا يمكن الرد عليه بخطابٍ واحد، بل عصرًا ازدحمت فيه الأفكار، وتعددت فيه المدارس، واتسعت فيه الأسئلة التي فرضتها حركة الترجمة، واحتكاك المسلمين بثقافاتٍ وفلسفاتٍ مختلفة. فأصبح كثيرٌ من الناس يقفون أمام آراءٍ متباينة في العقيدة، يبحثون عن الميزان الذي يردهم إلى الإسلام كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله.

وفي مثل هذه الظروف، لم يرَ الإمام أن حماية العقيدة تكون بإغلاق باب السؤال، ولا بإقصاء المخالف، وإنما بإقامة البرهان، وإحياء العقل الذي يهتدي بنور الوحي. ولذلك كان يدعو إلى التفكير، ويجعل القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله الميزان الذي تُوزن به الأقوال، لا الأهواء ولا شهرة الرجال.

قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).

ولهذا كانت مجالس الإمام الصادق عليه السلام مفتوحةً لأصحاب الأسئلة قبل أصحاب الأجوبة، وللباحثين عن الحقيقة قبل الموافقين له. فلم يكن يخشى السؤال مهما كان صعبًا؛ لأنه كان واثقًا بأن الوحي لا يعجز عن الإجابة، وأن العقل السليم، إذا أُحسن توجيهه، قاد صاحبه إلى اليقين.

ومن هنا لم يكن يبني أتباعًا يرددون ما يسمعون، بل علماء يعرفون لماذا يؤمنون، ويستطيعون الدفاع عن عقيدتهم بالحجة لا بالعاطفة. ولهذا أصبحت مدرسته مدرسةً للحوار قبل أن تكون مدرسةً للمناظرة، ومدرسةً للفهم قبل أن تكون مدرسةً للرد؛ لأن العقيدة التي تُبنى على الاقتناع أبقى من العقيدة التي تُفرض بالإلزام.

حين تعددت التيارات وبقي المنهج واحدًا

لم يكن التحدي الذي واجهه الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وجود الآراء المختلفة في حد ذاته، فالاختلاف سنةٌ جرت عليها حياة البشر، وإنما كان الخطر في أن تنفصل تلك الآراء عن منبع الوحي، وأن تتحول التأويلات البشرية إلى مرجعيةٍ تنافس القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله.

ففي ذلك العصر ظهرت اتجاهات كلامية متباينة، وتأثر بعض الناس بالفلسفات الوافدة، بينما غالى آخرون في ظاهر النص حتى عطَّلوا مقاصده، فضاعت عند كثيرين حالة التوازن التي جاء بها الإسلام.

ولهذا لم يدخل الإمام الصادق عليه السلام في صراعٍ مع الأسماء والعناوين، بل أعاد الجميع إلى الميزان الذي لا يتغير، وهو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله.

قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: 59).

ومن هنا كان الإمام يجعل النص الإلهي هو الأصل، ويجعل العقل وسيلةً لفهمه لا حاكمًا عليه، فلا يُلغى العقل، ولا يُقدَّم على الوحي، بل يعمل في ضوئه، ليبقى الإسلام كما أراده الله، دينًا يجمع بين نور الهداية وسلامة التفكير.

ولذلك لم يكن مشروعه دفاعًا عن رأيٍ في مقابل رأي، بل دفاعًا عن المنهج الذي تُوزن به جميع الآراء. فكل فكرةٍ تُقبل بقدر موافقتها للكتاب والسنة، وكل اجتهادٍ يُقوَّم بقدر قربه من روح الرسالة، لا بقدر شهرة قائله أو كثرة أتباعه.

وهكذا حفظ الإمام للأمة ميزانها، فلم يجعلها أسيرة الأشخاص، ولا أسيرة الفلسفات، وإنما ربطها بالأصل الذي لا يتبدل، فبقي منهجه صالحًا لكل عصر، مهما تغيرت الأسئلة وتنوعت التحديات.

حين انتصرت الحجة على الشبهة

لم تكن مناظرات الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ساحاتٍ لاستعراض العلم، ولا مجالس للانتصار الشخصي، بل كانت امتدادًا لرسالته في هداية الإنسان إلى الحقيقة. ولذلك كان يبدأ من المسلمات التي يقر بها محاوره، ثم يقوده بهدوءٍ ومنطق إلى النتيجة، حتى يصبح الاقتناع ثمرةً للتفكير، لا أثرًا للإلزام.

وقد رُوي عنه قوله: «إنما هلك الناس في المتشابه؛ لأنهم لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلًا من عند أنفسهم بآرائهم، واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء.»

وتكشف هذه الكلمة أن الإمام كان يرى أصل كثيرٍ من الانحرافات في الابتعاد عن المنهج الصحيح لفهم النصوص، لا في النصوص نفسها؛ فالمشكلة تبدأ حين يستغني الإنسان عن البيان الذي أودعه الله عند أمناء رسالته، ويجعل رأيه الشخصي هو المعيار.

ولهذا كان الإمام يحاور منكري الخالق، وأصحاب الاتجاهات الكلامية، وأصحاب الغلو والتقصير، بمنهجٍ واحد يقوم على إيقاظ الفطرة، واستثارة العقل، وربطهما بالوحي، حتى يصل الإنسان إلى الحق عن بصيرة.

قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18).

فالحق لا ينتصر بكثرة الضجيج، وإنما بقوة بيانه، ووضوح برهانه. ولهذا بقيت مناظرات الإمام الصادق عليه السلام نموذجًا خالدًا في أدب الحوار، تجمع بين عمق العلم، وحسن الخلق، واحترام الإنسان، حتى مع أشد مخالفيه.

وهكذا لم يكن الإمام يكتفي بدحض الشبهة، بل كان يؤسس فهمًا صحيحًا يمنع عودتها؛ لأن العقيدة التي تُبنى على اليقين أبقى من العقيدة التي تقوم على مجرد ردود الأفعال.

حين أصبح المنهج أقوى من الزمان

لم يكن أعظم ما أنجزه الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه أجاب عن أسئلة عصره، ولا أنه غلب خصومه في المناظرات، بل إنه وضع للأمة منهجًا تستطيع به أن تواجه أسئلة كل عصر.

فالشبهات تتبدل، والأفكار تتغير، أما المنهج الذي يقوم على القرآن الكريم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، والعقل المستضيء بنور الوحي، فإنه يبقى صالحًا لكل زمان.

ولهذا لم يربِّ الإمام أصحابه على حفظ الأجوبة الجاهزة، بل ربَّاهم على امتلاك أدوات الفهم والاستنباط، حتى يستطيعوا التعامل مع الوقائع المستجدة دون أن ينفصلوا عن أصول الرسالة.

قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).

فالغاية من التفقه ليست جمع المعلومات، وإنما إعداد العلماء الذين يحفظون وعي الأمة، ويكونون مرجعًا لها كلما واجهتها فتنة أو شبهة.

ومن هنا بقي أثر الإمام الصادق عليه السلام حيًا بعد رحيله؛ لأن المدرسة التي أنشأها لم تكن قائمة على شخص الإمام، بل على منهجٍ علمي متكامل حمله تلامذته، ثم انتقل إلى الأجيال من بعدهم، حتى أصبح أحد أعمدة التراث الإسلامي.

ولعل أبلغ شاهدٍ على ذلك أن كثيرًا من الاتجاهات الفكرية التي شغلت عصره قد اندثرت، بينما بقيت مدرسته حيَّة، يتداول المسلمون علومها، ويستضيئون بأصولها، ويعودون إليها كلما تجددت الأسئلة أو تعقدت القضايا.

وهكذا لم يكن الإمام الصادق عليه السلام يحفظ العقيدة بالرد على شبهةٍ عابرة، بل ببناء منهجٍ يجعل الأمة قادرة على التمييز بين الحق والباطل في كل زمان. ولذلك بقي مشروعه العلمي والفكري من أعظم المشروعات التي صانت هوية الإسلام، وجعلت مدرسة أهل البيت عليهم السلام مرجعًا دائمًا للعلم، والحكمة، واليقين.

ويبقى السؤال

لم يكن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام صاحب أكبر نهضةٍ علمية في عصره فحسب، بل كان أيضًا الحارس الذي صان عقيدة الإسلام ومنهجه في زمنٍ كثرت فيه الشبهات، وتعددت فيه التيارات، واختلطت فيه الثقافات والأفكار.

لقد أثبت أن العلم إذا انفصل عن العقيدة فقد بوصلته، وأن العقيدة إذا خلت من البرهان ضعفت أمام الشبهات. ولذلك جمع في مشروعه بين بناء الجامعة التي خرَّجت العلماء، وبين ترسيخ المنهج الذي يحفظ الإيمان، فبقيت مدرسة أهل البيت عليهم السلام منارةً للعلم، وملاذًا لكل من يبحث عن الإسلام كما خرج من بيت النبوة.

وبهذا اكتمل في عهده بناء المشروع العلمي الذي بدأ الإمام الحسين عليه السلام بحفظ أصل الرسالة، وصانه الإمام زين العابدين عليه السلام بتربية الإنسان، وأرسى قواعده الإمام محمد الباقر عليه السلام، حتى بلغ في عهد الإمام الصادق عليه السلام ذروة نضجه واتساعه.

غير أن التاريخ لم يمضِ طويلًا حتى تبدلت الظروف مرةً أخرى؛ فقد اشتدت قبضة الدولة العباسية، وضاقت مساحات الحرية، ودخلت مدرسة أهل البيت عليهم السلام مرحلةً جديدة، لم يعد التحدي فيها نشر العلم وبناء الجامعة بقدر ما أصبح الحفاظ على ذلك البناء من محاولات الاحتواء والإقصاء والاستئصال.

وهنا يبرز فصلٌ جديد من فصول هذا المشروع المبارك، حمل رايته الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، الذي واجه سلطةً بلغت من القوة ما لم تبلغه من قبل، لكنه استطاع أن يحفظ المدرسة، ويصون رجالها، ويؤسس لامتدادها في أحلك الظروف.

فكيف حمى الإمام موسى الكاظم عليه السلام هذا الإرث العلمي العظيم من بطش الدولة العباسية؟ وكيف حافظ على مشروع أهل البيت عليهم السلام حيًا، بينما كانت السلطة تسعى إلى عزله ومحاصرته؟

ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds