أقلام

حين اطمأنت النفس (9) مرافئ المعرفة الإلهية

السيد فاضل آل درويش

إنَّ اكتشاف حقيقة النفس وقدراتها، ونقاط القوة والضعف فيها، رحلةٌ معرفيةٌ عميقة، وتمثل الأدعية الواردة في الصحيفة السجادية أحد أهم روافد هذه الرحلة. فالافتقار إلى الغني المطلق في تدبيره لشؤون العباد لا يكسر النفس ولا يسقطها في أتون الضعف، بل هو عين الفهم والإدراك لحقائق نظام الكون، والتدبير الإلهي لما فيه، ويدفع المرء إلى استشعار ضعفه وتقصيره، مما يصرف عنه نبرة التكبر وتضخم الذات بسبب ما أوتي من قدرات وإمكانات.

ويولد من هذا الإدراك في النفس مقام التواضع للحق، وللمعارف الحقة، وللإرشاد والتوجيه الواردين في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، والإنابة إلى الله تعالى، والعودة إلى أعتاب رحمته بعد أن تستحكم الأهواء والغفلة في مفاصل الحياة.

وهذه المعارف المتضمنة في تلك الأدعية ترتقي بالإنسان إلى قراءة الحياة وظروفها ومحطاتها بعين التوحيد؛ فلا يرى الأحداث منفصلة عن الحكمة الإلهية، بل يراها محطاتٍ للاختبار والابتلاء؛ ليرى الله سبحانه وتعالى كيف يواجهها عبده، وكيف يتعامل معها.

فالروح الإيمانية ليست مجرد ادعاءات فارغة لا تأثير لها في تصرفات الإنسان على أرض الواقع، بل إن الواقع يكشف عما يسكن العقل من تصورات وأفكار وعقائد، ويظهر رصيدها وقيمتها في النفس. وهذه الابتلاءات الإلهية هي عين التربية والرحمة للنفس البشرية، وتتضمن دروسًا كثيرة يستقيها ويتعلمها من أنصت إلى تلك الأدعية، وتمعن في معانيها، فهي تصنع الزاد المعرفي والروحي والإيماني، وتبرز معالم الشخصية، كالهمة العالية، والصبر، والتمسك بالأمل، والرجاء بالله تعالى.

وهكذا تتحول كل تفاصيل الوجود إلى آيات دالة على قدرة الله تعالى وحكمته، ويصبح القلب حاضرًا مع الله في السراء والضراء، فيكسوه ثوب الطمأنينة واليقين، ويبدد عنه الهواجس والقلق من المستقبل المجهول، ما دامت الأمور كلها بيد الخالق الحكيم.

ولهذا كانت الصحيفة السجادية منهجًا لصناعة الوعي الإيماني والأخلاقي، وصانعةً لاستقامة الفرد؛ إذ تعلم الإنسان كيف ينظر إلى الكون بعين العبودية، وينطلق في ميادين الخير والمعروف والعمل الصالح. فتثمر مدرسة الدعاء شخصيةً موحِّدة ترى الله أولًا وآخرًا، وترى ما في الكون مجرد أسباب، وفي كل شيء أثرًا من آثار حكمته ولطفه، مهما كانت اتجاهات تلك الأحداث؛ إذ يراها بعين الرضا بقضاء الله تعالى، مع العمل جاهدًا على إثبات وجوده ومكانته.

فمن يتأمل أدعية الصحيفة السجادية يجد أنها ترسم منهجًا تربويًا يبدأ بإصلاح القلب، والمعاني التي تسكن النفس، قبل إصلاح السلوك، وتجنب الرذائل والآفات الأخلاقية. كما تغرس في النفس معاني العبودية الحقة، والتواضع للحق، والشكر للمنعم، والصبر على ما يواجه الإنسان من ظروف حياتية صعبة، واليقين بأن مقاليد الأمور وأزمتها بيد الخالق العظيم، وأن ما حولنا ليس إلا أسبابًا.

ولذلك كانت هذه الصحيفة النورانية تربي الإنسان على معرفة نفسه، وإدراك ضعفها وحاجتها الدائمة إلى خالقها، فتولد في داخله رقابةً ذاتيةً (الضمير اليقظ) أعمق من أي رقابة خارجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds