أقلام

الأنساب في الفكر الإسلامي (الجزء الثالث) 

هاشم السمين

من الاسم إلى الأثر.. حين تصبح العائلة مؤسسةً للعطاء

إن العائلة تتحول إلى مؤسسة اجتماعية حين لا يبقى اجتماع أبنائها مرتبطًا بالمناسبات العابرة، بل ينتظم في برامج مستمرة تستجيب لحاجات الإنسان في مراحل حياته المختلفة، لا بمجرد أن تعرف أبناءها أو تحفظ شجرة نسبها، بل حين تستطيع أن تحوّل ما تملكه من روابط وطاقات وخبرات إلى أثرٍ نافعٍ ومستمر.

فالنسب قد يكون بداية الطريق، لكنه ليس نهاية الطريق.

حين نتحدث عن العمل العائلي المنظم، قد يتبادر إلى الذهن مباشرةً الصندوق العائلي؛ وهو بلا شك من أهم صور التكافل، بما يقدمه من إعانة للمحتاج، ومساندة للمتعثر، وتيسير لبعض الحاجات.

لكن العائلة المعاصرة تستطيع أن تقدم أكثر من ذلك بكثير.

فقد يكون لها برنامج لتكريم المتفوقين والخريجين، أو محاضرات علمية وتثقيفية، أو أنشطة رياضية للشباب، أو برامج خاصة للأطفال، أو ملتقيات دورية تجمع الأجيال، أو مشاريع لتوثيق تاريخ الأسرة، أو مبادرات ثقافية وفنية، أو منصات إعلامية ورقمية تربط أفرادها ببعضهم.

وقد لا يكون أعظم ما تقدمه العائلة مبلغًا ماليًا، بل قد يكون كلمة تشجيع لطالب، أو فرصة لشاب، أو احتضانًا لموهبة، أو إصلاحًا بين متخاصمين، أو جمعًا للأبناء الذين كادت المسافات والسنون أن تباعد بينهم.

فالعمل العائلي الناجح لا يُقاس بما يُنفَق فقط، بل بما يُبنى أيضًا.

التكافل لا يعني انتظار السقوط

من أجمل ما يمكن أن تقدمه المؤسسات العائلية أنها لا تكتفي بمعالجة الحاجة بعد وقوعها، بل تسهم في بناء الإنسان قبل أن يشتد عليه الاحتياج.

فإعانة المحتاج عمل كريم، وتيسير الزواج باب من أبواب التعاون، ومساندة المتعثر واجب أخلاقي واجتماعي.

لكن إلى جانب ذلك، هناك مسؤولية أخرى لا تقل أهمية:

أن نبني القدرة.

فحين تُكرَّم الطاقات العلمية، وتُقام المحاضرات للطلاب، وتُعرَّف الأجيال الجديدة بالفرص التعليمية والمهنية، وتُحتضن المواهب والإبداعات، فإن العائلة لا تقدم مساعدةً مؤقتة فحسب، بل تستثمر في مستقبل أبنائها.

وهذا هو الفارق بين أن تعطي الإنسان ما يحتاجه اليوم، وبين أن تساعده على أن يصنع مستقبله غدًا.

وقد شهد مجتمعنا نماذج جميلة في هذا المجال، كما هو منشور في الصحيفة؛ من احتفالات تكريم المتفوقين والخريجين، إلى المحاضرات العلمية، والبرامج التعليمية، والجوائز التي تحتفي بالمبدعين وأصحاب الإنجازات.

وهذه الأعمال تقول للجيل الجديد:

إن العائلة لا تراك رقمًا في شجرة النسب، بل ترى فيك مشروع إنسانٍ ومستقبل.

حين تصبح المناسبات جسورًا بين الأجيال

وليست كل الأنشطة العائلية بحاجة إلى أن تكون رسمية أو معقدة.

فبعض الأعمال العظيمة تبدأ بلقاء.

إفطار رمضاني يجمع مئات الأرحام، أو سحور عائلي، أو رحلة، أو مخيم، أو ملتقى سنوي، أو احتفال بمناسبة دينية.

قد يراها البعض مناسبات اجتماعية عابرة، لكنها في حقيقتها تؤدي دورًا مهمًا في زمن بدأت فيه البيوت تتباعد، وانشغل الناس بأعمالهم، وصارت معرفة الإنسان بأقاربه أحيانًا أقل من معرفته بأشخاص يلتقيهم يوميًا في العالم الرقمي.

في هذه اللقاءات يتعرف الصغير إلى الكبير، ويلتقي أبناء الجيل الواحد، وتُروى ذكريات الآباء والأجداد، وتنشأ بين الأطفال صداقات مبكرة قد تبقى معهم سنوات طويلة.

فصلة الرحم ليست فكرةً تُكتب، بل علاقةٌ تُعاش.

ولعل بعضًا من أقوى الروابط الاجتماعية لا تُبنى في الاجتماعات الرسمية، وإنما حول مائدةٍ تجمع الناس، أو في رحلةٍ يتشاركون فيها الوقت، أو في مناسبةٍ يلتقون فيها بلا حواجز.

حفظ التاريخ.. لا لعبادة الماضي

ومن أجمل ما تقوم به بعض العوائل توثيق تاريخها، وحفظ مشجراتها، وجمع أخبار رجالها ونسائها، والاحتفاء بمن تركوا أثرًا علميًا أو اجتماعيًا أو إنسانيًا.

وهذا عمل مهم، إذا بقي في إطاره الصحيح.

فمعرفة الجذور تمنح الإنسان شعورًا بالامتداد، وتعرّفه بالمسيرة التي سبقته، وتساعده على فهم تاريخ مجتمعه.

وقد عرفت المنطقة منذ عقود مبادرات مبكرة في هذا المجال، ومنها تجربة عائلة المحمد علي في توثيق تاريخ الأسرة في كتاب، في وقتٍ كانت فيه الكتابة عن تاريخ العوائل في المنطقة أقل انتشارًا مما هي عليه اليوم.

فالتاريخ الذي لا يعلّم الحاضر، يتحول إلى أرشيف؛ أما التاريخ الذي يلهم العمل، فيتحول إلى مشروع للمستقبل.

المنصات الرقمية.. صلة رحم بلغة العصر

وفي السنوات الأخيرة ظهرت صورة جديدة من صور التواصل العائلي: الحسابات والمنصات الرقمية التي تمثل بعض العوائل وتوثق أخبارها وأنشطتها.

وهذه خطوة تستحق التأمل.

ففي مجتمع تباعدت فيه البيوت، وانتقل جزء كبير من التواصل إلى الفضاء الرقمي، يمكن لهذه الحسابات أن تصبح جسرًا يصل أفراد الأسرة.

من خلالها يمكن الإعلان عن المناسبات، والتعريف ببرامج العائلة، ونشر إنجازات أبنائها وبناتها، وتوثيق الذاكرة الاجتماعية، والتعريف بالجيل الجديد، وربط الأقارب الذين فرّقتهم المسافات.

وقد ظهرت في مجتمعنا نماذج لصفحات عائلية تمثل عوائل مختلفة، مثل صفحات الناصر، والنمر، والبوصالح، وآل عبد الله، والبن عيسى، وغيرها.

لكن قيمة المنصة لا تكون في عدد الصور والمنشورات فحسب.

فالحساب العائلي يمكن أن يكون أكثر من ألبوم إلكتروني.

يمكن أن يكون:

منصةً للتواصل، ونافذةً للذاكرة، ومساحةً للتعريف بالقدوات، وجسرًا بين جيل الأمس وجيل اليوم.

فالوسائل تتغير، لكن الغاية تبقى:

أن يعرف الإنسان رحمه، وأن يبقى قريبًا منهم، وأن يتحول هذا القرب إلى علاقةٍ حيةٍ لا إلى اسمٍ محفوظ في الذاكرة.

ليست العبرة أن تتشابه العوائل

ومن الخطأ أن نظن أن نجاح عائلةٍ ما يعني أن تقلدها جميع العوائل بالطريقة نفسها.

فلكل عائلة ظروفها، وطاقاتها، وأبناؤها، وإمكاناتها.

قد تنجح عائلة في العمل التكافلي.

وأخرى في التعليم.

وثالثة في الثقافة.

ورابعة في توثيق تاريخها.

وخامسة في احتضان الشباب.

وأسرة تجمع بين أكثر من مجال.

فالمطلوب ليس أن تتشابه المؤسسات العائلية، بل أن تتكامل في خدمة الإنسان والمجتمع.

النسب الذي يتحول إلى أثر

إن أجمل ما يمكن أن تفعله العائلة باسمها أن تجعل هذا الاسم مرتبطًا بخدمة الناس.

لا أن يقال: هذه عائلة كبيرة، لأن عدد أبنائها كبير.

بل أن يقال:

هذه عائلة تركت أثرًا كبيرًا.

فالأسماء تورث، لكن الأعمال هي التي تمنحها معناها.

والنسب يعرّف الإنسان بماضيه، لكن أثره هو الذي يعرّف الناس بموقعه في الحاضر.

وحين يتحول الانتماء إلى تكافل، والتكافل إلى تنظيم، والتنظيم إلى بناء الإنسان، تصبح العائلة جزءًا حيًا من نهضة المجتمع.

فلا يبقى النسب مجرد خط يصل الأب بالابن في شجرة العائلة، بل يصبح خطًا من العطاء يمتد من جيل إلى جيل.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للانتماء:

أن ترث من أسلافك اسمًا، ثم تضيف إليه عملًا.

وأن تعرف جذورك، ثم تمد أغصانك إلى مجتمعك.

وأن يكون اعتزازك بعائلتك دافعًا لأن تقدم لها وللناس شيئًا يستحق أن يُذكر.

فالعائلة لا تكبر بعدد أسمائها، بل بحجم أثرها.

ولا تبقى بحفظ تاريخها وحده، بل باستمرار عطائها.

ولا يكون النسب مسؤوليةً حقيقيةً إلا حين يتحول إلى خدمةٍ وعمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى