أقلام

حين تقسو القلوب

أحمد الطويل

مقدمة:

ليست القضايا الكبرى في التاريخ مجرد أحداثٍ تُروى، بل هي مرايا تُعرض فيها حقيقة الإنسان حين يُختبر بين الحق والباطل. ومن بين تلك المرايا الخالدة تبقى كربلاء حاضرةً لا بوصفها واقعةً تاريخيةً مضت، بل بوصفها معيارًا دائمًا لقياس القلوب حين تبتعد أو تقترب من الله.

فلم تكن مأساة الإمام الحسين عليه السلام وليدة سيفٍ وحده، بل كانت نتيجة مسارٍ طويل من قسوة القلوب حين تفقد نورها، وتستبدل الهداية بالغفلة، والبصيرة بالهوى.

وهنا يبرز السؤال: كيف يقسو القلب حتى يصل إلى مرحلة يفقد فيها الإنسان القدرة على تمييز الحق من الباطل؟ وما هي الجذور التي تصنع هذه القسوة؟ وكيف يمكن للإنسان أن يعيد لقلبه حياته ونوره؟

جذور قسوة القلوب

إن قسوة القلب ليست حالة مفاجئة، بل هي نتيجة تراكمات تبدأ من الداخل قبل أن تظهر على السلوك.

فالقلب يقسو حين يتعلّق الإنسان بالدنيا حتى تصبح غايته الأولى، فيغلب حب المال على حب الحق، وتصبح الراحة مقدَّمة على الواجب، ويغدو طلب اللذة مقدّماً على طاعة الله.

ويقسو القلب حين يغيب ذكر الله، لأن الذكر حياة القلوب، فإذا غابت الحياة بدأ الموت المعنوي يتسلل شيئًا فشيئًا.

ويقسو القلب حين يعتاد الإنسان الحرام، لأن المعصية لا تبقى فعلًا عابرًا، بل تتحول إلى حجاب يحجب القلب عن النور.

ويقسو القلب أيضًا حين يكثر الإنسان من اللغو فيما لا يعنيه، فينصرف عن إصلاح نفسه إلى تتبع ما لا ينفعه، حتى يضيع منه طريقه وهو لا يشعر.

وهكذا تتراكم الأسباب حتى يصبح القلب غليظاً، لا يتأثر بآية، ولا تهزه موعظة، كما وصف القرآن الكريم أقواماً فقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ﴾.

قسوة القلوب في ميزان كربلاء

حين نقرأ كربلاء ليس بوصفها حادثةً تاريخية، بل بوصفها موقفًا إنسانيًّا خالدًا، نفهم كيف يمكن لقلبٍ أن يقسو حتى يقف في مواجهة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

لم تكن المشكلة في المعرفة وحدها، بل في القلب حين يُغلق أبواب الهداية. فقد عرف كثيرون الحسين عليه السلام، لكن قلوبهم كانت قد سبقتهم إلى طريق آخر، طريق المصالح والهوى والخوف.

وهكذا تتحول القسوة من حالة داخلية إلى موقف خارجي، يُنتج أعظم الانحرافات حين يفقد الإنسان ميزان الحق.

علاج قسوة القلوب

لم يترك الإسلام القلب القاسي دون علاج، بل فتح له أبواب العودة مهما اشتد مرضه.

فذكر الموت يعيد للإنسان وعيه بحقيقة النهاية، ويكسر غرور الغفلة في داخله.

وذكر الله في الخلوة يعيد للقلب صفاءه الأول، حيث لا يرى إلا الله، ولا يستمد قوته إلا منه.

ومسح رأس اليتيم ليس عملًا اجتماعيًا فقط، بل هو تربية روحية تُعيد للإنسان لين القلب ورحمة الشعور، لأن القسوة لا تُعالج إلا بالرحمة.

وحضور مجالس الحسين عليه السلام من أعظم ما يحيي القلوب، لأنه يربط الإنسان بمشروع الإحياء الذي جاء به الحسين حين قال: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”.

فمن أحب الحسين رقّ قلبه، ومن رقّ قلبه اقترب من الله.

القلب بين الحضور والغياب

ليس كل من كان مع الحسين عليه السلام كان حاضراً بقلبه، كما أن ليس كل من بَعُد عنه زمانًا كان غائبًا عنه حقيقةً.

فالإنسان قد يحضر بجسده ويغيب بقلبه، وقد يغيب بجسده وتكون روحه حاضرة مع الحق.

ولهذا، فإن المشكلة الكبرى التي ابتُليت بها الأمة لم تكن فقدان المعرفة، فإن كثيراً ممن قاتلوا الإمام الحسين عليه السلام كانوا يعرفون نسبه، ويعلمون أنه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن المعرفة وحدها لم تكن كافية، لأن القلب إذا غاب عن الله لم تعد الحقائق قادرة على إنقاذ صاحبها.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حين قال سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

فالعين قد ترى، والعقل قد يدرك، ولكن القلب إذا أصابه الصدأ، وغلبت عليه الشهوات، واستولت عليه الدنيا، تحول العلم إلى معلومات لا تصنع إيماناً، وأصبحت الموعظة تمر على الإنسان فلا تهزه، والآية تُتلى عليه فلا تؤثر فيه، والحق يراه أمامه ثم لا يملك الشجاعة لاتباعه.

ومن هنا، لم يكن أهل الكوفة يجهلون الحسين عليه السلام، وإنما كانت المشكلة أن الحسين كان غائبًا عن قلوبهم، وإن كان حاضرًا أمام أعينهم.

وهذه هي أخطر صور الغياب.

فالغياب الحقيقي ليس غياب الأشخاص، بل غياب القيم، وليس البعد الحقيقي بعد المسافات، بل بعد القلوب عن الله.

ولهذا، فإن الإنسان قد يجلس في مجلس الحسين عليه السلام، وتدمع عيناه، ولكنه لا يزال بعيدًا عن الحسين إذا لم تتحول تلك الدموع إلى وعي، ولم يتحول الحزن إلى إصلاح للنفس، ولم تتحول المحبة إلى طاعة لله سبحانه.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المؤمن على نفسه ليس: هل أنا من محبي الحسين؟

بل: هل الحسين حاضر في قلبي، كما كان حاضرًا في قلوب أصحابه الذين لم تحجبهم الدنيا عن نصرة الحق؟

فإن أعظم المصائب ليست غياب الحسين عن العيون، وإنما غيابه عن القلوب.

حين يموت القلب:

إن مأساة كربلاء لم تكن مأساة السيوف والرماح فحسب، بل كانت قبل ذلك مأساة القلوب التي ابتعدت عن الله حتى فقدت قدرتها على التمييز بين الحق والباطل، وبين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وبين أعدائه.

فلم يبدأ سقوط الأمة يوم عاشوراء، وإنما بدأ يوم قست القلوب، وغلبت الدنيا على الآخرة، وحلّ الهوى محل الطاعة، حتى أصبح قتل الحسين عليه السلام أمرًا ممكنًا في أمة كانت تسمع قوله صلى الله عليه وآله: “حسين مني وأنا من حسين”.

ومن هنا، فإن كربلاء ليست حديثًا عن الماضي فحسب، بل هي مرآة ينظر الإنسان فيها إلى قلبه قبل أن ينظر إلى التاريخ. فكم من إنسان لم يحمل سيفاً على الحسين عليه السلام، ولكنه قد يحمل شيئًا من قسوة القلوب التي أبعدت أصحابها عن الحق.

ولذلك فإن أعظم ما يخشاه المؤمن ليس قسوة الزمان، ولا كثرة الفتن، ولا ظلم الناس، بل أن يقسو قلبه، لأن القلب إذا مات لم تعد العين تعتبر، ولم يعد العقل يهتدي، ولم تعد الموعظة تؤثر.

ولهذا كان طريق النجاة هو الطريق الذي سار عليه الحسين عليه السلام: طريق العبودية لله، وذكره، والأنس به، ومحاسبة النفس، والرحمة بالخلق، وحضور مجالس أهل البيت عليهم السلام، حتى يبقى القلب حيًّا بنور الله.

فإن الذي أوصل القوم إلى قتل الحسين عليه السلام لم يكن نقص المعرفة وحده، وإنما موت القلوب.

وما أكثر الذين ماتت أجسادهم وهم أحياء عند الله، وما أكثر الذين تمشي أجسادهم بين الناس وقلوبهم قد ماتت.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه في موسم الحسين عليه السلام ليس: كيف قُتل الحسين؟

بل: كيف وصلت القلوب إلى أن تقتل الحسين؟

وسؤالٌ آخر لا يقل خطورة: هل نعيش اليوم في زمن قسوة القلوب، أم أننا نحمل في داخلنا شيئًا من تلك القسوة من حيث لا نشعر؟

اللهم أحيِ قلوبنا بطاعتك، ولا تجعلنا ممن قست قلوبهم فابتعدوا عن الحق، وارزقنا الثبات على ولاية الحسين عليه السلام، واحشرنا معه ومع آبائه الطاهرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى