
المترجم : عدنان أحمد الحاجي
قد يبدو البكاء مجرد استجابة طبيعية غريبة. فالبكاء ليس مجرد ذرف للدموع، بل يُعتقد أنه تطور باعتباره وسيلة للتواصل مع الآخري. وقد يساعد أيضًا في خفض مستوى التوتر أو الضغط النفسي.
فهناك ثلاثة انواع من الدموع:
الدموع الاساسية أو الطبيعية ووظيفتها تدهين وترطيب العين لتحفظها من الجفاف؛ والدموع اللاإرادية (الانعكاسية) هي لطرد المهيجات من العين، مثل الغبار والبصل.
وأما دموع الحزن فهذه الظاهرة الغريبة مختصة بالانسان. وفي حالة التعرض لمهيجات، مثل البصل أو الغبار، يعتبر البكاء، في الحقيقة، آلية دفاع طبيعية. فالعين تفرز دموعََا لحماية نفسها وتنظيف سطحها من المواد التي قد تسبب تهيجًا أو ضررًا. عندما يدخل جسم مهيِّج في العين، تبدأ سلسلة من العمليات العصبية والكيميائية تفرز هرمونات من الدماغ، فتُحفِّز الغدد الدمعية الموجودة في الجفون على إفراز دموع تغسل العين وتطرد المادة المهيجة، ما يساعد على إعادة العين إلى حالتها الطبيعية.
أما دموع الحزن فهي مختلفة؛ إذ يُعتقد أنها ظاهرة تكاد تكون خاصة بالبشر. ولا يوجد تفسير واحد متفق عليه لسبب بكاء الإنسان، لكن بعض العلماء طرحوا عدة نظريات تحاول تفسير الفائدة التطورية لهذه الظاهرة.
إحدى النظريات ترى أن سبب ظاهرة البكاء بشبه سبب احمرار الوجه في حال الخجل. فهي ترى أن الدموع الانفعالية عبارة عن إشارة صادقة للآخرين على أن الشخص يشعر بالحزن أو بضائقة حقيقية، وهي إشارة يصعب تزييفها مقارنةً بتعبيرات الوجه الخالية من الدموع.
عادةََ ما تُغشي الدموع النظر وتصبح الرؤية ضعيفة، وبالتالي تضعف قدرة المرء على الهجوم، بل حتى على الدفاع عن النفس. وهذا من شأنه أن يبعث برسالة غير لفظية إلى الآخرين بأن الشخص ليس في وضع عدائي، بل بحتاج إلى مساعدة أو تعاطف أو حماية، مما قد يشجعهم على الاقتراب منه ومساعدته.
من منظور تطوري، استخدام الدموع وسيلة للتواصل مع المقربين زاد من فرص بقاء الإنسان عبر التاريخ، لأن الناس كانوا يميلون إلى مساعدة أفراد جماعتهم عندما يلاحظون أمارات واضحة على معاناتهم وحاجتهم إلى المساعدة.
أجريت تجارب عُرضت فيها صور لأشخاص يبكون، ثم أزيلت الدموع رقميًا من الصور. ووجد الباحثون أن الذين رأوا الصور الأصلية اعتبروها تعبر بوضوح عن الشعور بالحزن، بينما الصور التي أزيلت منها الدموع فُسرت أحيانًا على أنها تعبر عن حيرة أو دهشة أو مشاعر أخرى. وهذا يدل على أن الدموع تساعد الآخرين على فهم مشاعر الآخر بدقة أكثر.
قد تبدو دموع الفرح مختلفة عن دموع الحزن، لكنها ربما تؤدي الوظيفة الاجتماعية نفسها؛ فهي أيضًا تعبر بوضوح عن المشاعر وتقوي الروابط الاجتماعية بين الناس. كما أن الحزن والفرح ينشطان مناطق متشابهة في الدماغ، مثل الوطاء (Hypothalamus) والعقد القاعدية (Basal Ganglia)، وهما مرتبطتان بالغدد الدمعية، مما قد يفسر سبب ذرف الدموع في كلتا الحالتين.
تقترح نظرية أخرى أن البكاء قد يكون إحدى وسائل الجسم للتخلص من التوتر. فقد اكتشف باحثون أن الدموع الانفعالية تختلف في تركيبها الكيميائي عن الدموع الانعكاسية التي تنتج بسبب شم رائحة البصل أو دخول الغبار إلى العين، إذ تحتوي على مستويات عالية من بعض البروتينات والهرمونات المرتبطة بالتوتر، مثل الهرمون المنشط لقشر الكظرية (ACTH) (1). ويعتقد بعض العلماء أن البكاء قد يساعد في التخلص من جزء من هذه المواد، لكن الأدلة العلمية الحالية ما تزال محدودة ولم تثبت هذه الفكرة بشكل قاطع.
لا بأس بالبكاء عندما تشعر بالحزن أو الضغط النفسي. فالبكاء قد يساعدك على التعبير عن مشاعرك للآخرين، وربما يساهم أيضًا في تخفيف التوتر، حتى وإن لم تُثبت الأدلة العلمية بشكل حاسم أن الدموع نفسها تزيل مواد التوتر من الجسم.
الهوامش
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/الهرمون_الموجه_لقشر_الكظرية
المصدر الرئيس




