
د. حجي الزويد
مقدمة: بين العطاء الإلهي والاستدراج الخفي
يعيش الإنسان بين حالتين متلازمتين: النعمة والابتلاء. وكثير من الناس يظنون أن الابتلاء لا يكون إلا بالفقر أو المرض أو المصائب، بينما يغفلون عن أن النعم نفسها قد تكون نوعًا من الاختبار الإلهي الدقيق، بل قد تتحول إلى وسيلة استدراج إذا فقد الإنسان بصيرته وشكره لواهبها.
ومن أبلغ ما ورد في هذا المعنى ما روي عن الإمام الحسين (عليه السلام):
« الاستِدراجُ مِنَ اللَّهِ سُبحانَهُ لِعَبدِهِ: أن يُسبِغَ عَلَيهِ النِّعَمَ ويَسلُبَهُ الشُّكرَ .». [١]
فهذه الكلمة الموجزة تفتح أمامنا آفاقاً واسعة لفهم العلاقة بين العبد وربه، وبين النعمة والشكر، وبين العطاء الإلهي ومصير الإنسان.
ما معنى الاستدراج؟
الاستدراج في اللغة مأخوذ من التدرج، أي الانتقال من مرحلة إلى أخرى شيئًا فشيئًا.
أما في المفهوم القرآني فهو أن يُمهل الله العبد ويُوسِّع عليه في النعم، بينما يستمر العبد في غفلته أو معصيته، فيظن أن ما هو فيه دليل رضا وقرب، بينما يكون في الحقيقة يسير نحو الخسارة دون أن يشعر.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. [٢]
فالاستدراج ليس عقوبة فورية، بل عقوبة خفية تتسلل إلى الإنسان عبر شعوره الزائف بالأمان.
بين العطاء الإلهي والاستدراج الخفي:
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن كثرة المال أو الصحة أو المنصب أو الشهرة دليل قطعي على رضا الله.
فالقرآن الكريم يحدثنا عن أمم وأفراد أغدق الله عليهم النعم، ثم كانت تلك النعم سببًا في طغيانهم وهلاكهم.
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾. [٣]
إن المشكلة ليست في النعمة نفسها، بل في موقف الإنسان منها.
الشكر حصن النعمة:
يربط الإمام الحسين (عليه السلام) بين النعمة والشكر ربطًا مباشرًا.
فالنعمة إذا اقترنت بالشكر أصبحت طريقاً إلى القرب من الله، أما إذا انفصلت عن الشكر تحولت إلى فتنة واختبار خطير.
روى الكليني وابن بابويه وغيرهما بأسناد موثقة وأسناد معتبرة عن الباقر (صلوات اللّٰه وسلامه عليه) : إنّ نوحًا (عليه السلام) إنما سمي عبدًا شكورًا لانّه كان يقول إذا أصبح وأمسى : اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أنَّهُ ما أمْسى وَأصْبَحَ بي منْ نعْمَة أو عافية في دين أو دُنْيا فَمِنْكَ وَحْدَكَ لا شَريكَ لَكَ ، لَكَ الحَمْدُ وَلَكَ الشَّكْرَ بِها عَلَيَّ حَتّى تَرْضى إلهَنا .
وفي بعض الروايات كان يقول : اللَّهُمَّ إِنَّهُ ما أصْبَحَ بي مِنْ نعْمَة أو عافية في دين أو دُنْيا فَمِنْكَ وَحْدَكَ لا شَريكَ لَكَ لَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشَّكْرَ بِها عَليَّ حَتّى تَرْضى وَبَعْدَ الرِّضا
عشر مرات ، وكلاهما حسن. [٤]
والشكر ليس مجرد كلمات تُقال باللسان، بل هو منظومة متكاملة تشمل:
١- شكر القلب
وهو الاعتراف بأن كل ما لدى الإنسان من خير إنما هو من الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. [٥]
٢- شكر اللسان:
وهو حمد الله والثناء عليه وذكر نعمه وعدم نسبتها إلى النفس أو الحظ أو الصدفة.
٣- شكر العمل:
وهو توظيف النعمة فيما يرضي الله وينفع الناس.
فشكر المال يكون بالإنفاق، وشكر العلم يكون بالتعليم، وشكر الصحة يكون بالطاعة والعمل الصالح، وشكر الجاه يكون بخدمة الناس.
كيف يُسلب الإنسان نعمة الشكر؟
من أخطر ما تشير إليه الحكمة الحسينية أن فقدان الشكر قد يكون بحد ذاته عقوبة خفية.
فقد يزداد الإنسان مالًا ولكنه يفقد التواضع، وقد يزداد علمًا ولكنه يفقد الإخلاص، وقد يزداد نفوذًا ولكنه يفقد الرحمة، وقد يزداد رفاهية ولكنه يفقد القناعة.
وحينها تتحول النعم إلى أسباب للغفلة بدلًا من أن تكون أسبابًا للهداية.
علامات الاستدراج:
هناك مؤشرات ينبغي للإنسان أن يراجع نفسه عند ظهورها:
التوسع في النعم مع ضعف العلاقة بالله.
كثرة العطاء مع قلة الشكر.
النجاح الدنيوي مع التراجع الأخلاقي أو الروحي.
الشعور بالأمان من مكر الله.
الغفلة عن محاسبة النفس.
اعتبار النعم حقًّا مكتسبًا لا منحة إلهية.
فكل هذه العلامات تدعو إلى الوقوف مع النفس وقفة مراجعة وتأمل.
النعمة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا:
ينظر المؤمن إلى النعمة على أنها أمانة ومسؤولية.
فالمال مسؤولية، والعلم مسؤولية، والصحة مسؤولية.
والأبناء مسؤولية، والمكانة الاجتماعية مسؤولية؛ وكل نعمة ستكون موضع سؤال يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. [٦]
لذلك لا ينشغل المؤمن بعدِّ النعم بقدر انشغاله بأداء حقها.
الإمام الحسين (عليه السلام) مدرسة الشكر:
لقد جسّد الإمام الحسين (عليه السلام) أعلى معاني الشكر لله في حياته كلها.
ففي الرخاء كان شاكرًا، وفي الشدة كان صابرًا، وفي يوم عاشوراء، وسط أعظم المصائب، لم ينقطع عن ذكر الله وحمده والثناء عليه.
وبذلك قدم للأمة درسًا خالدًا بأن الشكر ليس مرتبطًا بوفرة النعم فقط، بل هو حالة روحية تعكس عمق معرفة العبد بربه.
دروس تربوية معاصرة:
في عصر الاستهلاك والرفاهية وكثرة المغريات، تزداد الحاجة إلى استحضار هذا المعنى الحسيني العميق.
فنحن نعيش في زمن كثرت فيه النعم المادية، لكن كثيرًا من الناس يشكون القلق والتوتر وفقدان السكينة.
والسبب أن الشكر ليس مجرد زيادة في الممتلكات، بل زيادة في الوعي بقيمة ما نملك.
فالإنسان الشاكر يرى النعمة في أبسط الأشياء: في الصحة، وفي الأسرة، وفي الأمن، وفي المعرفة، وفي الإيمان.
أما الغافل فلا يلتفت إلى النعمة إلا بعد فقدها.
الرسالة الذهبية:
تكشف لنا حكمة الإمام الحسين (عليه السلام) حقيقة دقيقة من حقائق النفس الإنسانية؛ فليس الخوف دائماً من زوال النعمة، بل قد يكون الخوف الأكبر من زوال الشكر.
فالنعمة مع الشكر طريق إلى الله، والنعمة بلا شكر قد تكون بداية الاستدراج.
ومن هنا كان من أعظم الأدعية أن يسأل الإنسان ربه دوام النعمة ودوام الشكر معاً، لأن الشكر هو الحارس الأمين للنعم، وهو الجسر الذي تعبر عليه النعم إلى مرضاة الله وسعادة الدنيا والآخرة.
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. [٧]
هوامش:
[١] تحف العقول عن آل الرسول ( ص )، ابن شعبة الحراني، ص ٢٥٧، بحار الأنوار، ج ٧٥، العلامة المجلسي، ص ١١٩، موسوعة الكلمة، ج ٨، السيد حسن الحسيني الشيرازي، ص ٢٧١، مستدرك سفينة البحار، ج ٣، الشيخ علي النمازي الشاهرودي، ص ٢٦٦، أئمتنا عباد الرحمان، ج ٢، الحاج سعيد أبو معاش، ص ١٤١، أعلام الهداية، ج ٥، المجمع العالمي لأهل البيت ( ع ) – لجنة التأليف، ص ٢٣٤، جواهر الحكمة للإمام أبي عبد الله الحسين ( ع )، محمد الريشهري، ص ٤٣٠، صحيفة الحسين ( ع )، جمع الشيخ جواد القيومي، ص ٣٤٤، مسند الإمام الحسين ( ع )، ج ٣، الشيخ عزيز الله عطاردي، ص ٢٦٥، و موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )، ج ٢٣، مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية، ص ٥٧١، موسوعة الإمام الحسين ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ، ج ٩، محمد الريشهري، ص ٣٨٠
[٢] [الأعراف: ١٨٢]
[٣] [الأنعام: ٤٤]
[٤] الباقيات الصالحات للعلامة الشيخ عباس القمي.
[٥] [النحل: ٥٣]
[٦] [التكاثر: ٨]
[٧] [إبراهيم: ٧]




