أقلام

الصوت الذي بقي (2) حين تكلّم الأسير

أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة الثانية من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول بداية الدور الذي اضطلع به الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام بعد كربلاء، وكيف تحولت مرحلة الأسر إلى بداية الانتصار الحقيقي لرسالة كربلاء.

مقدمة:

قد يبدو للإنسان أن الأسير هو أضعف من في ساحة الأحداث.

فقد سُلبت حريته، وفقد القدرة على الحركة، وأصبح مصيره بيد غيره، حتى لا يكاد الناس يتوقعون أن يبدأ منه تغيير، أو أن يخرج من بين القيود مشروعٌ يصنع التاريخ.

لكن التاريخ نفسه يخبرنا أن الله لا يقيس القوة بما يراه الناس.

فكم من صاحب سلطانٍ ملأ الأرض هيبةً، ثم لم يبقَ منه إلا اسمه، وكم من أسيرٍ ظنه الناس قد انتهى، فإذا به يبدأ من حيث ظن الجميع أن كل شيء قد انتهى.

وهنا تقف كربلاء لتقدم واحدةً من أعظم مفارقاتها. فالإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام خرج من أرض الطف لا يحمل سيفًا، ولا يملك جيشًا، ولا يقود ثورةً جديدة، بل خرج وهو في حالٍ يراها الناس أبعد ما تكون عن النصر.

ومع ذلك، فإن المرحلة التي بدأت بعد أسره كانت من أخطر مراحل نهضة الإمام الحسين عليه السلام، لأنها المرحلة التي انتقلت فيها الرسالة من ميدان الدم إلى ميدان الوعي، ومن صوت السيف إلى صوت الحقيقة.

حين ظن الناس أن كل شيء انتهى

في حياة الأمم لحظاتٌ يخيَّل فيها إلى الناس أن الصفحة قد أُغلقت، وأن التاريخ قال كلمته الأخيرة، فلا يبقى بعد ذلك إلا تعداد الخسائر، أو رثاء العظماء الذين مضوا. وكانت الساعات التي أعقبت عاشوراء واحدةً من تلك اللحظات.

فقد خلت أرض كربلاء من أصوات المدافعين عن الحق، وسكنت الأجساد التي كانت قبل قليلٍ تصنع أعظم ملاحم التضحية، وأصبحت الخيام رمادًا، والنساء والأطفال في قبضة الأسر، حتى بدا المشهد في ظاهره وكأن الطغيان قد بلغ غايته، ولم يعد هناك ما يمكن أن يغيّر مجرى الأحداث.

ولو أن إنسانًا نظر إلى ذلك المشهد بعين السياسة وحدها، لما رأى إلا هزيمةً كاملة.

فالقوة كانت بيد المنتصر، والسلاح بيده، والسلطة بيده، والإعلام بيده، والناس لا يعرفون من الحقيقة إلا ما يُسمح لهم أن يعرفوه.

وهنا يكمن أخطر ما تواجهه الرسالات بعد كل تضحية. فالدم قد يسقط في ساحة المعركة، لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يُترك تفسير ذلك الدم للمنتصرين، فيصبح الشهيد خارجًا على السلطان، ويصبح الظالم حاميًا للدين، وتتحول أعظم التضحيات إلى رواياتٍ يصوغها الهوى والسياسة.

ولهذا لم يكن ما بعد كربلاء أقل خطرًا من كربلاء نفسها. فالمعركة لم تعد معركة سيوف، بل معركة وعي.

ولم يعد السؤال: من غلب في الميدان؟

بل أصبح السؤال: من سيكتب معنى ما جرى؟

ومن سيحفظ للأمة حقيقة هذا الدم، حتى لا يضيع بين الخوف، أو الدعاية، أو مرور الزمن؟

وهنا تبدأ الحكمة الإلهية بالظهور.

ففي الوقت الذي ظن فيه الناس أن كل صوتٍ قد سكت، كان الله يُعدّ لصوتٍ آخر أن يبدأ.

صوتٍ لم يحمل سيفًا، لكنه حمل الحقيقة.حين تحوّل الأسر إلى رسالة

قد يستطيع الإنسان أن يتقبل المصيبة إذا كانت نهاية الطريق، أما أن يحملها معه، ويُطالب في الوقت نفسه أن يؤدي رسالته، فذلك لونٌ آخر من الابتلاء لا يطيقه إلا من أعدّه الله له.

وهذا ما واجهه الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام.

فلم يكن خارجًا من كربلاء رجلًا نجا بنفسه، بل كان خارجًا منها وهو يحمل أمام عينيه صورة أبيه صريعًا على الثرى، ويرى إخوته وأبناء عمومته قد مضوا شهداء، ويسمع بكاء النساء والأطفال الذين أُخذوا أسرى، ثم يُطلب منه، وسط كل هذا الألم، أن يبقى ثابتًا، وأن يكون هو الحارس الأخير لرسالة عاشوراء.

ولو كان ينظر إلى ما جرى بعين الإنسان المجردة، لرأى أن كل أسباب العمل قد سقطت.

فلا جيش بقي، ولا أنصار، ولا وطن يأوي إليه، ولا حرية يتحرك بها، بل قيودٌ في اليد، ورقابةٌ لا تفارقه، وطريقٌ يُساق فيه مع السبايا من مدينةٍ إلى أخرى.

لكن الإمام لم يكن ينظر بعين الظروف، وإنما بعين الرسالة. لقد أدرك أن التكليف قد تغيّر، ولم يتغيّر الهدف. ففي كربلاء كان المطلوب من الإمام الحسين عليه السلام أن يحفظ الدين بدمه، أما بعد كربلاء فقد أصبح المطلوب من الإمام زين العابدين عليه السلام أن يحفظ ذلك الدم من أن يُنسى أو يُحرّف.

وهنا يظهر معنى عميق من معاني السنن الإلهية.

فالقرآن الكريم يبيّن أن وظيفة الأنبياء لم تكن البلاغ فحسب، وإنما حفظ البلاغ في حياة الناس، قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، (الأنفال: 42).

فلا يكفي أن يقع الحدث، بل لا بد أن تبقى البينة واضحة، حتى لا يلتبس الحق بالباطل. وهذا بعينه ما حمله الإمام السجاد عليه السلام.

لقد أصبح هو البينة الباقية بعد كربلاء. فكل خطوةٍ كان يخطوها، وكل كلمةٍ كان يقولها، وكل موقفٍ كان يقفه، لم يكن دفاعًا عن نفسه، وإنما دفاعًا عن حقيقة النهضة الحسينية.

ولذلك لم يكن يرى في الأسر إذلالًا، بل ميدانًا جديدًا للجهاد. لأن الجهاد لا يكون بالسيف وحده، وإنما يكون بكل وسيلةٍ تحفظ الحق وتُبقيه حيًا.

ولهذا بدأ الإمام من اللحظة الأولى يحوّل الطريق الذي أراده الطغيان طريقًا للإذلال، إلى طريقٍ تستيقظ فيه الضمائر، وتبدأ فيه الحقيقة بالخروج من تحت ركام الخوف.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الأسر مجرد قيدٍ في اليد، بل أصبح رسالةً تمشي على قدميها بين الناس.

حين نطق الأسير بالحقيقة

لم يكن يعلم من ساقوا الإمام علي بن الحسين عليه السلام أسيرًا، أنهم كانوا يسوقون إلى التاريخ أول شاهدٍ على كربلاء، وأول من سيهدم روايتهم من داخل الطريق الذي صنعوه بأيديهم.

لم يكن الطريق من كربلاء إلى الكوفة، ثم إلى الشام، مجرد انتقالٍ للأسرى من مكانٍ إلى آخر، بل كان الطريق الذي أرادت السلطة أن تعرض فيه انتصارها أمام الناس.

كان المطلوب أن يرى الناس رجالًا قُتلوا، ونساءً سُبيت، وأطفالًا أُخذوا أسرى، ليترسخ في النفوس أن كل من يقف في وجه السلطان مصيره الهزيمة.

لكن ما لم يكن في حسبان أحد، أن هذا الموكب نفسه سيصبح أول منبرٍ تُروى منه حقيقة كربلاء. فالإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام لم يكن يحمل سيفًا يرد به على ما جرى، لكنه كان يحمل نسبًا لا يستطيع أحد إنكاره، وحقيقةً لا تستطيع قوة أن تطمسها إذا وُجد من ينطق بها.

ولذلك، كلما سنحت له فرصةٌ للكلام، لم يتحدث عن نفسه، ولم يطلب شفقة الناس، ولم يجعل من الأسر قضيةً شخصية، بل أعاد الأنظار كلها إلى القضية التي خرج من أجلها الإمام الحسين عليه السلام.

لقد كان يعلم أن المأساة الكبرى ليست في الأسر، وإنما في أن يجهل الناس من هؤلاء الأسرى، ولماذا قُتل أولئك الشهداء.

ولهذا كانت أول معركةٍ خاضها الإمام بعد عاشوراء معركة التعريف: التعريف بالحسين عليه السلام، والتعريف برسول الله صلى الله عليه وآله، والتعريف بأهل البيت الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، (الأحزاب: 33).

فالسلطة كانت تريد أن يرى الناس أسرى، أما الإمام، فكان يريدهم أن يروا أهل بيت نبيهم.

ولهذا، لمّا سنحت له الفرصة، لم يبدأ بالشكوى من الأسر، ولا بتعداد ما أصابه، وإنما بدأ بتعريف الأمة بنفسه.

فقال عليه السلام : “أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب…”.

لم يكن الإمام يطلب بذلك تعاطف الناس، بل كان يعيد وصل الأمة برسولها، بعد أن كادت الدعاية السياسية تفصلها عن أهل بيته.

ومنذ تلك اللحظة بدأ ميزان الأحداث يتغيّر.

فالناس الذين خرج كثيرٌ منهم بدافع الفضول، أو بدافع الاحتفال بما صُوِّر لهم أنه انتصار، أخذوا يسمعون كلامًا لم يكونوا قد سمعوه من قبل، ويرون وجوهًا تشبه وجه رسول الله صلى الله عليه وآله، ويسألون أنفسهم: من هؤلاء حقًّا؟

ومنذ اللحظة التي وُلد فيها هذا السؤال، بدأ البناء الذي أقامته الدعاية يتصدع؛ لأن الحقيقة لا تحتاج دائمًا إلى ضجيجٍ كي تنتصر، بل يكفي أن تجد من ينطق بها بصدق.

وهكذا، لم يكن الإمام السجاد عليه السلام يطلب من الناس أن يثوروا، وإنما كان يريدهم أن يعرفوا. وكان يعلم أن المعرفة الصادقة هي أول طريق التحرر، وأن الأمة إذا عرفت الحقيقة، فلن تبقى أسيرة الرواية التي يصنعها أصحاب السلطة.

ولهذا كانت كلماته بداية يقظة، لا نهاية خطاب.

حين بدأ الوعي ينتصر

لم تُسقط كلمات الإمام زين العابدين عليه السلام سلطانًا في يومٍ واحد، ولم تُغيِّر موازين القوى بين ليلةٍ وضحاها، لكنها صنعت ما هو أبقى من ذلك كله.

لقد بدأت تُغيِّر الإنسان نفسه. وهذا هو الانتصار الذي كانت كربلاء تنتظره.

فالسلطة تستطيع أن تُخضع الأجساد، لكنها تعجز عن إخضاع العقول إذا استيقظت، وتستطيع أن تفرض الصمت، لكنها لا تستطيع أن تمنع الحقيقة من أن تجد طريقها إلى القلوب إذا خرجت صادقة.

ولهذا لم يكن الإمام السجاد عليه السلام يقيس نجاح رسالته بما يراه الناس من نتائجٍ عاجلة، بل بما بدأ يتكوَّن في أعماق الأمة من مراجعةٍ للأسئلة التي حاولت السلطة أن تمنعها.

من هؤلاء الذين قُتلوا؟

ولماذا قُتلوا؟

وكيف وصل أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى هذا المصير؟

وحين تبدأ الأمة بطرح هذه الأسئلة، تكون قد خطت الخطوة الأولى نحو استعادة وعيها.

ولهذا كان الإمام يعلم أن تغيير التاريخ لا يبدأ دائمًا بإسقاط العروش، وإنما يبدأ بإسقاط الوهم الذي تعيشه العقول. فالإنسان إذا عرف الحقيقة، لم يعد كما كان قبل معرفتها. وهذه سنةٌ يؤكدها القرآن الكريم حين يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَايَعْلَمُونَ﴾، (الزمر: 9).

فالمعرفة ليست زيادةً في المعلومات، بل تحوّلٌ في البصيرة.

ومن هنا كانت كلمات الإمام زين العابدين عليه السلام بدايةً لنهضةٍ هادئة، لم تعتمد السيف، لكنها صنعت جيلاً أخذ يعيد النظر في كل ما قيل له، حتى بدأت الحقيقة تستعيد مكانها في ضمير الأمة.

ولهذا لم يكن الإمام يبني ردَّ فعلٍ عاطفيًّا، وإنما كان يبني وعيًا. لأن العاطفة قد تشتعل ثم تخبو، أما الوعي، فإذا استقر في النفس، أصبح قوةً لا تستطيع الأيام أن تطفئها.

وهكذا أثبت الإمام أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُقاس بعدد من سقط في الميدان، وإنما تلك التي تُقاس بعدد القلوب التي عادت إلى الحق، وعدد العقول التي تحررت من الوهم.

ولعل هذا هو السر في أن كربلاء بقيت حيّةً بعد القرون. فقد حفظها الدم يوم عاشوراء، ثم حفظها الوعي بعد عاشوراء.

وكان الإمام زين العابدين عليه السلام أول من حمل هذه الأمانة، حتى وصلت الرسالة إلى الأجيال كما أرادها الله، لا كما أرادها أهل السلطان.

لقد انتصر السيف ساعاتٍ، أما الكلمة فقد انتصرت قرونًا.

ويبقى السؤال

إذا كانت كربلاء قد حفظت الدين بدم الإمام الحسين عليه السلام، فإن المرحلة التي أعقبتها حفظت ذلك الدم من أن يضيع في زحام الروايات، أو يُختزل في حادثةٍ من حوادث التاريخ.

وهنا تتجلى عظمة الدور الذي اضطلع به الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام.

فلم يكن انتصاره في أنه خرج من الأسر، بل في أنه خرج منه وقد بدأ يُغيِّر وعي الأمة.

لقد أرادت السلطة أن يكون طريق السبي خاتمة النهضة، فإذا به يصبح بدايتها.

وأرادت أن تكون القيود عنوان الهزيمة، فإذا بها تتحول إلى أول منبرٍ تُروى منه حقيقة كربلاء.

وهكذا أثبت الإمام أن الرسالات لا تُحفظ بالقوة وحدها، بل بالكلمة الصادقة، والبصيرة النافذة، والصبر الذي لا ينحني أمام المحن.

غير أن هذا لم يكن إلا أول الطريق.

فبعد أن أعاد الإمام تعريف الأمة بالحقيقة، بقي عليه أن يحفظ هذه الحقيقة في وجدانها، وأن يبني جيلاً لا يستطيع الطغيان أن يسرق وعيه مرةً أخرى.

ولذلك لم يتوقف جهاد الإمام عند خطبةٍ ألقاها، ولا عند مجلسٍ هزّ القلوب، بل بدأ بعد عودته مرحلةً جديدة، كانت أهدأ صوتًا، لكنها كانت أعمق أثرًا، وأبقى في صناعة الإنسان.

فكيف استطاع الإمام زين العابدين عليه السلام أن يبني هذا الوعي في زمنٍ كانت الكلمة فيه مراقبة، والقلوب يملؤها الخوف، والسلطة تترصد كل حركة؟

وكيف تحولت المناجاة والدعاء، في يديه، إلى مشروعٍ تربويٍّ أعاد بناء الإنسان من الداخل؟

ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds