
أمير بوخمسين
من أكثر الأوهام التي يعتقدها البعض أن الناجحين أناس سارت حياتهم في طرق ممهدة، وأنهم وصلوا لأن الظروف خدمتهم أكثر مما خدمت غيرهم. ولكن الواقع يخبرنا بشيء مختلف تمامًا، إن النجاح لا يعني غياب المشكلات، إنما يعني القدرة على مواصلة الطريق رغم وجودها. فالحياة بطبيعتها مليئة بالمفاجآت والانكسارات والتأخير والإخفاقات. ومن ينتظر اللحظة المثالية ليبدأ، أو الظروف المثالية ليعمل، قد يقضي عمره كله منتظرًا، فنحن البشر نعشق استعجال النتائج.
فالتحديات التي تواجه الإنسان متعددة الأوجه، والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن التحدي لا يكمن في وجود هذه العقبات، بل في رد فعلنا تجاهها. فالمشكلة الواحدة قد تدفع شخصاً إلى الاستسلام، بينما تدفع شخصاً آخر إلى البحث عن طريق جديد. والظروف نفسها التي تهزم البعض قد تصبح سببا في صناعة شخصية أكثر قوة وصلابة لدى آخرين.
إن المثابرة ليست أن تواصل الركض دائمًا، ولكنها أن تعرف متى تبطئ دون أن تتوقف. وهي ليست أن تنتصر كل يوم، بل أن ترفض الانسحاب في الأيام التي لا تسير فيها الأمور كما تريد. فبعض الناس يظنون أن العزيمة تعني القوة الدائمة، بينما العزيمة الحقيقية تظهر غالبا في لحظات الضعف، عندما يختار الإنسان الاستمرار رغم التعب.
ولعل المشكلة الكبرى في عصرنا هي المقارنة. فنحن نرى نتائج الآخرين ولا نرى معاركهم الخفية. نرى النجاح ولا نرى سنوات الانتظار. لا نعلم أي صراع عاشوه، لذلك يصبح من الظلم أن نقارن بداياتنا بنهايات الآخرين، أو أن نقيس تقدمنا بمسارات لا نعرف تفاصيلها. فهناك الكثير من الأحداث والقصص الواقعية التي عاشها البعض من تحديات وعراقيل واجهتهم في طريقهم، والأمثلة متنوعة على مستوى الحياة اليومية.. شخص يتقدم لوظيفة مرارًا، يرفضونه 10 مرات ثم يُقبل في 11، وآخر يبدأ مشروعًا يفشل أول مرة بسبب نقص خبرة/تمويل، ثم يعيد المحاولة بطريقة أفضل، وطالب يتأخر دراسيًا نتيجة ظروف أو ضعف بداية، فيلتزم سنة كاملة ويستعيد مستواه، ومؤلف/صانع محتوى ينشر بلا اهتمام سنوات، ثم فجأة تتغير الظروف، فيحصل على عدد كبير من المتابعين، ولكن “التأخير” كان نتيجة سنوات عمل صامت.
إن العزيمة والإصرار للسير تجاه تحقيق الهدف الذي رسموه أمامهم تجاوزوه بفضل تحديهم لكل هذه العقبات. وهذا سبب نجاح الكثير في بداية رحلتهم العملية. والعكس هناك البعض من أفراد المجتمع فشل في منتصف الطريق، نظرًا لعدم تحمله المصاعب والمشاكل التي واجهته في منتصف الطريق، ولم يكن لديه الاستعداد للاستمرارية. والآخر منذ بداية الطريق لم يتحمل الصعاب ففشل ولم يكمل. وهناك الكثير من الأفراد نجحوا واجتازوا وحققوا أهدافهم بفعل صبرهم وعزيمتهم، ويعدون نماذج مشرقة للمجتمع. إن بناء العزيمة تبدأ من تقبل حقيقة بسيطة، هي أن التحديات لن تختفي. سيبقى هناك نقص في الوقت، وضغط في العمل، وعقبات في الطريق، وأشخاص يشككون في قدراتنا. ولكن ما يمكن أن يتغير هو قدرتنا على التعامل مع هذه الظروف. فكل تجربة صعبة تضيف إلى رصيدنا شيئًا من الخبرة، وكل أزمة نتجاوزها تزيد من صلابة شخصيتنا.
علينا أن نتقبل التعثر، والتعلّم المستمر، والاحتفاظ بالإيمان بأن التقدم البطيء أفضل من الوقوف الكامل.
فالحياة لن تكف عن اختبارنا، والتحديات لن تتوقف عن الظهور، وكل ما أمتلكنا عزيمة صادقة كلما أدركنا أن العقبات ليست نهاية الطريق، بل جزء أصيل منه.
وعندما نفهم هذه الحقيقة، ندرك أن النجاح ليس الوصول إلى حياة بلا مشكلات، وإنما الوصول إلى مرحلة نصبح فيها أقوى من أن توقفنا المشكلات هذه عن مواصلة المسير.




