
أمير الصالح
مقدمة
أصل معظم المشاكل في الحياة الأسرية صغير جدًّا وقد لا يتعدى أمنية إصغاء الوالدين للابن أو مراعاة الأبناء لجهود الوالدين أو الشعور بالحب والتشجيع والتحفيز والعدالة وتكافؤ الفرص. إلا أن إهمال بعض الاطراف لأطراف أخرى داخل المنزل الواحد واختفاء السعي لتحقيق بعض أو كل الأمنيات المعقولة والمقدور على إنجازها للبعض، قد يؤجج لأفعال كبيرة وأزمات مستعصية تنتهي بكارثة حقيقية.
حادث يهز الوجدان
شاركنا زميل في قروب رقمي بمقطع فيديو يوثق خبر مؤلم وصادم عن إقدام شاب هندي يافع على تنفيذ تهديدة بالانتحار من سفح جبل شاهق بسبب عدم تلبية والده لطلبه بتوفير جهاز هاتف جوال له. واندفع والد الشاب لا إراديًّا بدافع الفطرة والحب لإنقاذ ابنه أثناء انطلاق الابن بقذف نفسه تنفيذًا لتهديده. إلا أن الأب كما الابن واجه المصير نفسه ( الموت). ومن هول وقوة الصدمة على الأم التي كانت بذات المنتزه الجبلي اندفعت نحوهما، وسقطت ملتحقة اياهم وتوفيت باللحظة ذاتها. حقيقة العبرة خنقتني وأنا أشاهد الفيديو لتلكم الحادثة. وكم تمنيت محاكمة كل حملات التسويق المضللة للشباب في هكذا مضمار.
تعليق على الحادث
لعل من الحكمة توظيف هذا الحادث المؤسف لقراءة مشاهد عدة متنوعة في مجتمعات مختلفة تندرج تحت بند “إدارة تعارض الإرادات بين الشباب / الفتيات وأولياء أمورهم”. وقد سلط الضوء عليه بعض الاختصاصيين التربوييين، وأفردت شخصيًّا له عدة مقالات.
ففي مناطق ما، يهدد الفتيان/ الفتيات أولياء أمورهم باللجوء تارة للشرطة.
وتارة يهددون بترك مقاعد المدرسة، وتارة بهربون ولا يرجعون لبيوت والديهم، وتارة يهدد بعضهم بالانتحار وتارة يهدد بعضهم يحرق نفسه، وتارة بعضهم يضرب عن الطعام، وتارة بعضهم يحبس نفسه في غرفته لمدد طويلة جدًّا، وبعضهم يهدد برمي نفسه في أحضان أعداء مجتمعه وأهله العقائديين نكاية بهم، وتارة يهدد بعضهم أنه سيهرب دون ترك أي أثر ويجعلهم في حسرة يتلمسون أخباره ولا يجدون له أثرًا كل ذلك بسبب أنهم يريدون الحصول على جوال أو سيارة أو الاقتران بامرأة افتتن بها أو الرغبة بالخروج مع أصحاب سوء أو رغبته بالسفر لدولة مشهورة بالفسق والفسوق. وبعض أولئك الفتيان أو الفتيات وفي صمت مطبق يلتحقون بعصابات توزيع مخدرات/ أعمال غير أخلاقية/ إجرام ذلك لتلبية احتياجاتهم المادية؛ كما أن بعض الفتيات المغرر بهن من قبل فضائيات ومنصات رقمية قد يلتحقن بسوق البغاء أو يسعين للهروب لدول تحتضن أمورًا بها انفلات أخلاقي مريب …. إلخ.
كما أن بعض أولياء الأمور كثيري التسويف وقليلي الإصغاء لأفراد أسرهم ولا يلتفتون لحالة اليأس التي قد تدب إلى قلوب أبنائهم/هن أو حجم الامتهان الذي يتعرضون له بالمدارس/ الجامعات نتيجة للفروقات الطبقية في عدم حيازة أمور كمالية كجهاز الجوال.
ليعترف الجميع أن هناك هشاشة في بعض أبناء الجيل الصاعد حول العالم، وهذه الهشاشة قد تحول البعض إلى قنبلة موقوتة أو سارق محترف أو منتحر أو مريض نفسي أو شديد الاكتتاب أو انطوائي حد العزلة.
المناكفات وصراع الإرادات قد يصل حدود تكسير العظام بين الابن العنيد والأب المسوف/ المهمل /البخيل / الساذج / المؤدلج . …لا بد من الاحتواء لكل الأطراف بذكاء وفطنة من البداية، لأن الإهمال أو الإغفال أو التطنيش او الشح أو الأفكار المتطرفة وعدم الاحتواء وتلمس احتياجات أفراد الأسرة فردًا فردًا قد ينتهي بمأساة مروعة كما وصفت بالحادثة المذكورة أعلاه التي وقعت بدولة الهند.
والواقع يفرض نفسه والحكمة تتطلب فهم الواقع وسلوك أفضل الطرق.
الاحتواء وحسن تلمس احتياجات أفراد الأسرة وصرف الوقت معهم وحسن توجيه الأفراد وتشذيب بعض مطالبهم أضحى فنًّا يجب إجادته من قبل أولياء الأمور.
حوار وتعليق على المقطع
عند تعبير أحد الأطراف بحاجته لشي مادي فكن جيد التفاهم على إمكانات رب الأسرة وأقرب فرصة يمكنه توفيرها مع فرض القوانين المتعلقة بمحضورات الاستخدام ومدة الاستخدام ونطاق الاستخدام سواء كان سيارة أو زواج بامرأة محددة أو امتلاك جهاز إلكتروني معين (جوال / بلايستشن ..الخ) أو التحاق بجامعة معينة أو … أو…إلخ. فإن:
القطيعة داخل الأسرة ليست حل
الإهمال أيضًا ليس بحل
التأجيل المتكاسل ليس بحل
التطنيش والحرمان ليسا حلّين.
لأن كل تلكم الأفعال قد تؤدي إلى إشعال أفكار شيطانية داخل الشاب/ الفتاة/ المراهق ومنها فكرة الانتحار أو خلق العداوات وتصاعد مؤشر العناد والتوثب لهدم بناء الأسرة وخلق جو مشحون بين الأبناء والآباء.
ما مدى تأثير القطيعة/ الإهمال/ التسويف على مجرى حياة الأسرة؟!
الدلال الزائد للأولاد صفة مذمومة، كما أن الإهمال الزائد من أولياء الأمور لأبنائهم أيضًا صفة مذمومة. ولكن الإهمال أشد وطأة لكونه قد يلجئ الولد/ البنت للانحراف أو الانطواء.
كما ينصح التربوييون بتقليم الدلال ووضع حدود له، كذلك هم ينصحون بالاهتمام ومراعاة وحسن الإصغاء ومساعدة وتلبية أمنيات الابناء في حدود الاستطاعة. كما أننا لا نتصور بأن الشاب المُدلل سوف يكون معطاء في المستقبل بعد ان يتربى على حب الذات النرجسية والأنانية وحُب تملك كل شيء. كذلك، علينا أن لا نتصور بأن الشاب/ الفتاة المحروم سوف يهتم في المستقبل بغيره بعد أن ترعرع في أجواء الحرمان وعدم تلبية بعض أمنياته النافعة كالدراسة.
صيغة رسالة مفتوحة
شخصيًّا لست مختص تربوي ولكن تعاهدت أصدقاء تربويين أوفياء فتعلمت واستفدت من مجالستي واستماعي لحديثهم. وبلورت أفكار عدة عن أساليب التربية، ومنها إرسال رسائل مفتوحة لأفراد الأسرة بين الحين والآخر كأداة تسد الذرائع وتسد فجوات التقصير إن حدثت بشكل غير مقصود. وأرفق الأنموذج التالي للمشاركة:
رسالة
أعزائي أفراد الأسرة
كوالد عصامي، بحمد الله بذلت جهود لعمل توازن بين الدلال لكم وتلبية معظم احتياجاتكم وأسعى جاهدًا للإسهام في تحقيق أمنياتكم. لكوني اعرف بأن أمكاناتي محدودة وفهمي بأن الدلال الزائد يولد شخصية أنانية استحواذية نرجسية لا تعرف العطاء وبالمقابل فهمي بأن حرمان الأبناء قد يولد شخصية شحيحة بخيلة وناكرة للمعروف وجاحدة للجميل وتهرب من المسؤولية نحو الآخرين، فإني وبحمد الله ومع جهود أمكم الغالية ساعدنا ونساعد وسنساعد كل منكم على بلوغ أمنياته وأهدافة الخيرة؛ وكلكم ولله الحمد خيّرون وأنا أفتخر بكم جدًّا.
سعينا ونسعى نحو أفق مُشرف وبناء مجد يرضاه الله. فلا يخذل أي منكم أحدنا.
لطفًا كل فرد من أفراد الأسرة يكتب أمنيته الخيرة لهذا العام وما هي الوسائل التي سيستخدمها لتحقيق ذلك وما يريده مني أو من والدتكم لتحقيقها. ومن يود أن يشارك بها على الخاص، فأنا وأمكم تستقبل ذلك. والله ولي التوفيق
خاتمة
في ظل تمدد ظواهر المقارنات التي تبث في منصات الفضاء الرقمي المتنوعة، الشيطان الرجيم نجح في سلب القناعة من قلوب وعقول العديد من الناس وأوغل الشيطان الرجيم وتمدد وسيطر على عقول عدد كبير من الشباب بأساليب ابتزاز أهاليهم. وأولياء الأمور الحكماء والفطنين يستفيدون من كل تجربة وحادثة سمعوا بها ويهتدون بأية نصيحة لكيلا يتمكن الشيطان من هدم بناء أسرهم. فالإصغاء فن وإدارة العلاقة بالأبناء فن والاحتواء فن، والمكاشفة مع أفراد الأسرة بما هو ممكن وما هو غير ممكن ماليًّا فن. وندعوا جميع الأولياء لإجادة فنون التواصل داخل كل أسرة لتفويت الفرص على الشياطين.





