أقلام

الاستقامة حتى النهاية

أحمد الطويل

مقدمة:

ليست قيمة الإنسان في ما يعرفه من الحق، ولا في كثرة ما يملكه من قناعات، بل في قدرته على الثبات حين تتحول المعرفة إلى امتحان، واليقين إلى ثمن، والطريق إلى مفترقٍ بين النفس والضمير.

فكثيرون يعرفون الحق، ولكن القليل من يثبت عليه حين يصبح مكلفًا، وحين يُطلب منه أن يدفع من راحته أو دنياه أو مكانته.

ولهذا لم تكن كربلاء حدثًا عابرًا في التاريخ، بل كانت لحظة انكشاف كبرى للإنسان: هل يكفي أن تعرف الحق، أم أن الحق لا يُعرف إلا حين تُختبر به؟

ولهذا يتكرر الدعاء يوميًا في كل صلاة: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾، كأن الإنسان يعترف أن الثبات ليس حالةً دائمة، بل هدايةٌ مستمرة لا تُنال إلا بعونٍ من الله في كل لحظة.

وهنا يتضح أن الانحراف لا يدخل إلى الإنسان دفعة واحدة، بل عبر ثلاثة منافذ دقيقة: عقلٌ تُلقى فيه الشبهات فتتشوش الرؤية،

وقلبٌ تُزرع فيه الشهوات فيضعف القرار،

وسلوكٌ تتحول فيه المعصية إلى عادة، حتى يصبح التنازل طبيعيًا دون مقاومة.

وهكذا لا يكون السقوط فجأة، بل نهاية مسار طويل بدأ حين فُقدت المناعة الداخلية أمام الباطل.

من عرف الحق ثم تركه

ليس الانحراف دائمًا لحظة جهل، بل قد يكون لحظة تراجعٍ عن يقينٍ كان واضحًا، وبصيرةٍ رأت الطريق لكنها لم تملك شجاعة السير فيه حتى النهاية.

فالخطر ليس أن يجهل الإنسان الحق، بل أن يراه ثم يتراجع عنه حين يتغير ميزان المصالح.

ومن هنا يظهر زَحْر بن قيس الجعفي، الذي كان في صفوف الإمام علي عليه السلام في صفين، حاضرًا في قلب المعركة، شاهدًا على وضوح الحق في مواجهة الباطل، ولكنه لم يواصل امتداد الطريق على نفس الثبات.

لم يكن الخلل في الرؤية، بل في القدرة على الاستمرار حين تبدلت الظروف، وتقدمت المصالح، وبدأ السؤال يتحول من: ما الحق؟ إلى: أين مكسب الواقع؟

وهكذا لم يكن الانحراف قفزة واحدة، بل انحدارًا هادئًا بدأ حين انفصلت المعرفة عن الالتزام، والعقيدة عن الموقف.

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

فالزيغ لا يبدأ سقوطًا مفاجئًا، بل انحرافًا داخليًا يبدأ حين يُترك الحق بلا حماية داخل النفس، حتى يصبح التراجع خيارًا مبررًا.

وفي النهاية، لا تكون الخسارة في الجهل، بل في رؤية النور ثم اختيار مغادرته.

من ضياع الطريق إلى ولادة جديدة

الإنسان لا يُختصر في لحظة واحدة؛ فهناك من يخطئ، ولكن في داخله مساحة لم تمت بعد، تستجيب حين يُنادى الحق.

وهنا تأتي لحظة التحول التي تُعيد تعريف الإنسان من جديد.

الحر بن يزيد الرياحي لم يكن في بداية طريقه مع الحسين عليه السلام، لكنه لم يكن غافلًا عن الحقيقة. كان يرى المشهد، لكن لم تتضح له خطورته إلا حين صار الدم قريبًا، ولم يعد للموقف زمن للمناورة.

وحين انكشف له أن القضية ليست سياسةً ولا صراع نفوذ، بل موقف بين الحق والباطل، حدثت اللحظة التي لا يملكها إلا من بقي حيًّا في داخله: أن يعترف الإنسان بأنه كان في الاتجاه الخطأ.

لم يقل: تأخرت… بل قال: يجب أن أعود.

فانكسر أمام ضميره، وقال كلمته التي تختصر كل التوبة: “إني والله أخيّر نفسي بين الجنة والنار”.

ثم عاد، لا لأنه لم يخطئ، بل لأنه رفض أن يموت داخل الخطأ.

وهنا تصبح الاستقامة ليست بداية الطريق، بل شجاعة العودة قبل فوات الأوان.

من ثبت حتى النهاية

أما الأنموذج الذي يعلّم معنى الاستقامة الحقيقية، فهو من لم يجعل الموقف لحظة تردد، لأن اختياره للحق لم يكن حدثًا عابرًا، بل امتداد حياة.

حبيب بن مظاهر الأسدي لم يكن بحاجة إلى لحظة مراجعة، لأن اتجاهه كان واحدًا منذ البداية: الحق.

عاش مع أمير المؤمنين عليه السلام، وثبت مع أهل البيت، وكبر سنه لكن لم يضعف موقفه، حتى صار في كربلاء صورةً للثبات الذي لا تهزه النهاية.

كان يدرك أن الثمن قد يكون الحياة، ولكنه كان يدرك أن الحق لا يُقاس بثمن.

وهكذا صار شاهدًا على أن الانحراف ليس نتيجة العمر، بل نتيجة غياب الاستقامة حين تُختبر القلوب.

من عرف الحق واختار

أن يقف على الحافة

في بعض اللحظات لا يُطلب من الإنسان أن يكون عدوًا أو نصيرًا، بل فقط أن يختار أين يقف.

لكن أخطر ما يواجهه الإنسان ليس أن يُجبر على الباطل، بل أن يُترك بين الطريقين ثم يختار أن لا يختار.

وهنا تتجلى صورة عبيد الله بن الحر الجعفي؛ رجل لم يكن في صف العداء، ولم يكن في صف النصرة، بل في منطقة الحافة بينهما.

رأى الإمام الحسين عليه السلام، وعرف منزلته، وسمع دعوته، بل طُلبت منه النصرة مباشرة، فكان أمام الحقيقة بلا حجاب.

لكن القرار لم يكن في مستوى المعرفة، بل في مستوى التضحية.

اختار أن يبتعد، لا لأنه لم يعرف الحق، بل لأنه لم يرد ثمن الوقوف معه.

وهنا تبدأ مأساة الحافة؛ حيث لا يكون الإنسان مع الباطل صراحة، لكنه يترك الحق وحيدًا حين يحتاجه.

فالحق لا يعترف بالمساحات الرمادية عند الامتحان، بل يعترف بمن نصره أو خذله.

كربلاء كمرآة لا تهدأ

ليست كربلاء حدثًا انتهى، بل مرآة تُعرض فيها حقيقة الإنسان في كل زمان، وكأنها لم تُغلق بعد.

فهي لا تقدم معركة تاريخية بقدر ما تكشف طبيعة النفس حين تُوضع بين طريقين: طريق الحق مهما كان الثمن، أو طريق السلامة مهما كانت الكلفة على الضمير.

وحين نتأملها، لا نرى أسماء فقط، بل نرى نماذج تتكرر: من يعرف الحق ثم يتراجع،

ومن يراه ثم يخشى الوقوف معه،

ومن يعود بعد انكسار،

ومن يثبت حتى النهاية كأنه خُلق للثبات.

وهكذا تتحول كربلاء إلى ميزان دائم، لا يقيس التاريخ، بل يقيس الإنسان.

والسؤال الذي تطرحه ليس: ماذا حدث هناك؟

بل: أين نقف نحن لو تكرر المشهد اليوم؟

ما الذي يصنع النهاية؟

ليست الخاتمة لحظة مفاجئة، بل مجموع خطوات صغيرة تتراكم بصمت حتى تصنع المصير.

فهل الاستقامة قرار نعلنه، أم طريق نعيشه في كل اختبار؟

وهل يبقى القلب ثابتًا حين تتغير الظروف من حوله؟

أم أن كل إنسان يحمل داخله قابلية الانكسار إذا غاب نور الهداية؟

إن السؤال الحقيقي ليس: من كان مع الحسين؟

بل: من نحن حين نُختبر في مواقفنا الصغيرة قبل الكبيرة؟

لأن كربلاء لم تكن مرة، بل تتكرر في كل قلب.

ولعلّ أخطر ما في كربلاء أنها لا تطلب منك أن تكون مع الماضي، بل تكشف لك أين تقف أنت الآن، حين يُعرض عليك الحق بلا قناع، ثم يُترك لك الاختيار بلا عذر.

اللهم يا مثبت القلوب، ثبت قلوبنا على دينك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وارزقنا بصيرةً لا تزيغ، واستقامةً لا تنكسر، وخاتمةً لا نخسر فيها أنفسنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى