جيل الأعوام القادمة.. ماذا نعرف عنه؟
ضمن سلسلة «حركة الأجيال ومسيرتها التاريخية الاجتماعية»

عبد المنعم الحليمي: سيهات
في الليلة الثانية عشرة من شهر محرم 1448هـ، ألقى سماحة الشيخ عبد الجليل البن سعد محاضرة بعنوان «جيل الأعوام القادمة.. ماذا نعرف عنه؟»، مستعرضًا رؤية فكرية ودينية حول كيفية التعامل مع المستقبل، ومؤكدًا أن بناء الأجيال يبدأ من حسن التعامل مع الحاضر لا الانشغال المفرط بالتنبؤات.
واستهل الشيخ محاضرته بالاستشهاد بقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، مبينًا أن الإنسان بطبيعته يتطلع إلى معرفة المستقبل، إلا أن هذا التطلع قد يتحول إلى هوس يطغى على الاهتمام بالحاضر ويضعف القدرة على صناعة المستقبل الحقيقي.
وأوضح أن الانشغال بالمستقبل لا يقتصر على عامة الناس، بل يمتد إلى النخب الفكرية والسياسية والأكاديمية، مستشهدًا بكثرة الدراسات والمؤلفات التي تناولت مستقبل المجتمعات والعلاقات الإنسانية والحركات الفكرية، معتبرًا أن ذلك يعكس شغفًا واسعًا باستشراف ما هو قادم.
وأكد البن سعد أن المشكلة ليست في التخطيط للمستقبل، وإنما في الإفراط في التعلق بالتكهنات، مشيرًا إلى أن كثيرًا من التحليلات التي تُطرح عقب الأزمات والأحداث الكبرى لا تتحقق كما يُتوقع، وأن الانشغال المبالغ فيه بالمستقبل قد يصرف الإنسان عن واجباته في الحاضر.
وفي حديثه عن تكوين الأسرة، دعا الشباب والفتيات إلى التركيز على الكفاءة الحقيقية في اختيار شريك الحياة، موضحًا أن بناء الحاضر على أسس سليمة هو الضمان الأفضل لمستقبل مستقر، وأن الكفاءة لا تقتصر على الجانب الديني والأخلاقي، بل تشمل ما يسهم في نجاح الحياة الزوجية وفق الأعراف الاجتماعية السليمة.
وتناول الشيخ الجانب التربوي، محذرًا من توجيه الأطفال مبكرًا نحو تخصص أو مهنة بعينها، مؤكدًا أهمية إتاحة الفرصة لهم لاكتشاف ميولهم وقدراتهم عبر تجارب متنوعة، بما يساعدهم على اختيار مستقبلهم عن قناعة ونضج.
كما دعا الأسر إلى استثمار الإجازة الدراسية في تعزيز العلاقة مع الأبناء من خلال الترفيه الهادف، والمشاركة في أفراحهم وآلامهم، والتخطيط المشترك لبرامجهم، محذرًا من تركهم فريسة للعالم الرقمي والألعاب الإلكترونية التي قد تُستغل لاستدراج المراهقين والتأثير في أفكارهم وسلوكهم.
وأوضح أن النظرة الصحيحة للمستقبل تقوم على قراءة الواقع ومؤشراته الطبيعية، لا على التنبؤات المجردة، مستشهدًا بمحطات تاريخية كالغزو المغولي والثورة الفرنسية، باعتبارها أحداثًا حملت مؤشرات واضحة على التحولات التي أعقبتها.
وفي ختام المحاضرة، تناول سماحة الشيخ العلاقة بين المستقبل والغيب، مبينًا أن العلم الحقيقي بالمستقبل لا يكون إلا بوحي من الله تعالى، كما ورد في القرآن الكريم وبعض الأخبار الثابتة، داعيًا إلى التمييز بين الغيب القطعي الوارد في القرآن الكريم، والروايات التي تحتاج إلى التثبت في فهمها وتطبيقها على الواقع، مؤكدًا أن مسؤولية الإنسان تبقى في إصلاح الحاضر، لأنه الطريق الأوثق لصناعة مستقبل أفضل للأجيال القادمة.





