منبر بشائر

الشيخ البن سعد: كربلاء تمثل محطة مفصلية في تسلسل الأجيال والتحولات التاريخية

عبد المنعم الحليمي : الأحساء

أكد الشيخ عبد الجليل البن سعد أن قراءة التاريخ من خلال نظرية تسلسل الأجيال تمثل مدخلًا لفهم التحولات الكبرى التي مرت بها المجتمعات، مشيرًا إلى أن واقعة كربلاء تعد من أبرز الأحداث المفصلية التي أسهمت في تشكيل الوعي الإسلامي عبر العصور.

جاء ذلك خلال محاضرته التي ألقاها في الليلة السادسة من محرم الحرام بعنوان (كربلاء ونظرية تسلسل الأجيال)، ضمن سلسلة (حركة الأجيال ومسيرتها التاريخية الاجتماعية)، حيث تناول عددًا من المحاور الفكرية والتاريخية التي تتصل بقراءة التاريخ وفق منهج التحقيب الزمني، موضحًا أن التاريخ لا يقتصر على سرد الوقائع والأحداث، بل يشمل دراسة التحولات والانتقالات التي تربط بين الحقب المتعاقبة.

وبيّن أن المجال التاريخي ينقسم إلى جانب وقائعي ترصده كتب التاريخ التقليدية، وجانب تحولي يعنى برصد حركة المجتمعات وانتقالاتها عبر الزمن، وهو ما تركز عليه نظرية الأجيال التي تدرس العلاقة بين الحقب التاريخية وتعاقبها.

وأوضح أن النظرية تقوم على وجود تحقيبين؛ الأول يمتد لثلاثمائة سنة ويشهد ظهور أحداث كبرى تصنع ملامح العصر، والثاني يمتد لثلاثين سنة وتبرز فيه أحداث فارقة تؤثر في مسار المجتمعات، مؤكدًا أن هذه الفترات لا تنفي وجود أحداث أخرى، لكنها تشير إلى بروز حدث رئيسي يطبع المرحلة بطابعه.

وتوقف الشيخ البن سعد عند الهجرة النبوية المباركة، واصفًا إياها بأنها حدث عظيم تجاوز كونه انتقالًا جغرافيًا ليشكل مشروعًا نبويًا متكاملًا ، مؤكدًا أنها مثلت عملية غربلة وتمحيص للمجتمع الإسلامي، وأظهرت مواقف الشخصيات التي أحاطت برسول الله (ص)، متسائلاً عن أسباب غياب هذا الحدث عن مساحة الاهتمام الديني والثقافي مقارنة بأحداث إسلامية أخرى.

كما أشار إلى أن نهاية الثلاثين سنة الأولى بعد رحيل النبي (ص) شهدت انتقال الحكم من نظام الخلافة إلى الملك العضوض، معتبرًا أن هذا التحول كان من أبرز الأحداث التي تركت آثارًا عميقة على الواقع الإسلامي.

ورأى أن رأس الثلاثين الثالثة من التاريخ الهجري شهد فاجعة كربلاء، واصفًا إياها بالحدث الأخطر في التاريخ الإسلامي، لما مثلته من انتهاك لحرمة سبط الرسول الأعظم الإمام الحسين (ع) وأهل بيته، مؤكداً أن هذه الواقعة شكلت نقطة تحول كبرى في الوجدان الإسلامي.

وفي سياق حديثه عن نظرية الأجيال، أشاد الشيخ البن سعد بالمؤرخ العراقي الدكتور سيار الجميل صاحب كتاب (نظرية الأجيال)، مبينًا أنه تواصل معه وناقش عددًا من القضايا المرتبطة بالكتاب، مشيرًا إلى أهمية إعادة النظر في بعض تطبيقات النظرية، خصوصًا ما يتعلق بالتحقيب الميلادي بدلًا من التحقيب الهجري، معتبرًا أن التاريخ الإسلامي يصبح أكثر وضوحًا عند قراءته وفق التقويم الهجري.

كما استعرض التحقيب الطويل للتاريخ، مبينًا أن الأحداث الكبرى الممتدة عبر ثلاثة قرون أسهمت في بروز تحولات حضارية مهمة، بدءًا من ظهور المسيح (ع)، ثم انتشار المسيحية، وصولاً إلى بعثة النبي محمد (ص)، وما تلاها من ازدهار الحضارة الإسلامية وظهور المدارس العلمية والفكرية.

وتناول الشيخ البن سعد بعض الملاحظات على النظرية، مؤكدًا أن الزمن ليس العامل الوحيد في صناعة التاريخ، بل هو عنصر من مجموعة عوامل متعددة، مستشهدًا برؤية الشهيد السيد محمد باقر الصدر التي رفضت الحتمية التاريخية القائمة على (العامل الواحد)، وأكدت دور العوامل المتعددة في صناعة الأحداث.

واختتم محاضرته بوقفة حسينية، أوضح فيها أن الإمام الحسين (ع) جسّد الحكمة في مواجهة اضطرابات عصره، وأن نهضته الإصلاحية مثلت سفينة نجاة دعا الناس إلى الركوب فيها، غير أن كثيرين أعرضوا عنها حتى استقرت تلك السفينة في أرض كربلاء، لتبقى رمزًا خالدًا للإصلاح والوعي ومواجهة الانحراف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى