
رباب حسين النمر : الأحساء
استضافت جمعية هجر التاريخية بالأحساء في دار نورة الموسى للثقافة والفنون أ. علي السلطان رئيس فريق حصر وتوثيق الحرف اليدوية بالأحساء وذلك تزامنًا مع معرض (بيدي أصنع حرفتي)، حيث تهدف الأمسية إلى الاحتفاء بالحرفة الأحسائية وأن يتحدث عنها أحد المهتمين برصد الحرف الأصيلة وحفظ حكاياتها التراثية ومساراتها الإنسانية والثقافية، حيث يعد السلطان أحد المشهود لهم بالجهود الكبيرة والمستمرة للحفاظ على الموروث الأحسائي وإيصال تفاصيله للأجيال القادمة.
وقد أدار الحوار أ. سلمان السماعيل الذي استهل حديثه عن الضيف قائلًا: “ضيفنا الليلة من خلال عمله الميداني وجهوده المتواصلة أسهم في إبراز قيمة الحرفة الأحسائية باعتبارها جزءًا أصيلًا من هوية المكان وهوية المجتمع.
سيحكي لنا اليوم حكايات تختبئ خلف الأبواب التي احتفظت بذاكرة الأحساء، وتحولت من أدوات للعيش إلى شواهد على تاريخ وحضارة وثقافة متجذرة”. وفي معرض حديثه أشاد السلطان بنورة الموسى -رحمها الله- وذكر فضل الدار في الحراك الثقافي بالأحساء قائلًا: “سعيد بتواجدي في دار نورة الموسى هذا الصرح الثقافي العملاق الذي أطلقته مؤسسة عبد المنعم الراشد الإنسانية، واليوم إذا ما ذكرنا الأحساء فلا بد من أن تُذكر هذه المؤسسة، ولقد حضرت اليوم لقاءً افتراضيًّا لهيئة التراث والذي افتتحه الرئيس التنفيذي لهيئة التراث الدكتور جاسر الحربش وقد تم خلال اللقاء استعراض تقرير ٢٠٢٥م ومن ضمن أسماء الشركاء الفاعلين مع الهيئة تمت الإشادة بمؤسسة عبد المنعم الراشد الإنسانية، وهذا فخر لنا، ونحن اليوم في دار نورة الموسى لنا أن نحيي هذه السيدة التي أستطيع أن أُطلق عليها (أم الأحساء)، التي بسببها تم إطلاق هذه المبادرات من ابنها البار الشيخ عبد المنعم الراشد.
ولهذه السيدة مقولة جميلة (كلْ ما عَطيتْ .. زادْ خيري) ولا يزال خيرها على الأحساء حتى هذا اليوم في مثل هذه التجمعات والفعاليات”. ثم بدأت أسئلة الحوار تنهمر بين مدير الحوار والضيف:
نعلم أن عام الحرف اليدوية هو 2025 فهل انتهى الاهتمام بموسم الحرف اليدوية بحلول 2026 ؟
أجاب السلطان: عندما تطلق وزارة الثقافة العام الثقافي عامًا للخط العربي أو القهوة السعودية أو الشعر العربي أو الإبل أو الحرف اليدوية فهي تعدها عنصرًا ثقافيًّا ومكوٍنًا يشكل الهوية السعودية.
ومن مصدر الفخر والاعتزاز بها ولاستدامتها تطلق هذا العام الثقافي لتؤكد على أهمية هذا العنصر وتشجع القطاعات والمؤسسات على تبني المبادرات وإطلاقها. ففي العام الماضي خاصة تواصل معنا عدد من الجامعات والقطاعات والمؤسسات المعنية بالموضوع، وهم يصارعون الزمن قبل انتهاء ٢٠٢٥م لينجزوا شيئًا لرمز العام الثقافي.
وعليه كان العام الماضي عامًا حافلًا بهذه المنتجات، ولن يكون الاحتفاء بالعنصر الثقافي منحصرًا فقط في العام نفسه بل ينبغي أن يكون مستمرًا، وإن لم يكن بالوتيرة نفسها، وها نحن اليوم في منتصف ٢٠٢٦م وجمعية هجر التاريخية مشكورة تحيي هذه الأمسية بالشراكة مع دار نورة الموسى، لأن الحرف اليدوية لا بد لها من الاستمرار والاستدامة ولا تستمر إلا بجهود الجميع وليس بجهود الحرفي وحده.
كيف تم توثيق الحرف اليدوية بالأحساء؟
جاء جواب السلطان: كان سابقًا كل يعمل على شاكلته، وكانت هيئة السياحة والتراث سابقًا تتواصل مع الحرفيين وتجمع بياناتهم وتخرج بتوصيات وتجتهد بإشراكهم في الجنادرية أو في المناسبات الوطنية وغيرها، وكانت أمانة الأحساء تعمل كذلك ولكن كل بقدره وحسب المصادر المالية والموارد البشرية التي يمتلكها ومؤسسة عبد المنعم الراشد الإنسانية لعبت مثل هذا الدور وعملت جاهدة في مضمار التدريب والتطوير، ولكن وزارة الثقافة أطلقت مبادرة حصر وتوثيق وأرشفة التراث غير المادي، التي من ضمنها الحرف اليدوية وذلك في ٢٠٢٤م وقد دعت حوالى ٢٠٠ شخص من الأحساء في فندق الانتركونتيننتال من أجل أن يطلع المجتمع المحلي على المبادرة، ومن ثم انطلقت بمشروع الحصر والتوثيق طوال عام 2025 وبذل فريقنا جهودًا كبيرة في ذلك بل وتميز في عمله. وأضاف السلطان، اسمحوا لي أن أوضح لماذا يطلق على الحرف اليدوية ب “التراث غير المادي” بينما هي منتجات مادية ملموسة! لقد صنفت اليونسكو الحرف اليدوية ضمن التراث غير المادي لأن المقصود هو “المهارة” أي مهارة الحرفي وليس المنتج، ولأن المهارة تنتقل معه أينما كان.
وعودة إلى أصل السؤال: فإن علينا كجمهور أيضًا بتوثيق الحرف اليدوية من خلال عمل اللقاءات مع الحرفيين وتصويرهم وسؤالهم عن حرفتهم وهذا أيضًا يشجعهم على الاستمرار.
وإجابة على سؤال: ما هو مستقبل الحرف في الأحساء؟
أجاب السلطان: أعتقد أن الأحساء هي بمثابة بيت حرفي منذ الأزل ولقد تم العثور على كأس من الفخار العُبيدي الملون أثناء التنقيب الآثاري في عين قناص شرق مدينة العيون ويؤرخ بين 5100 قبل الميلاد إلى 3200 ق. م.
وهو كأس أنيق وقد نقل من متحف الأحساء إلى المتحف الوطني السعودي بالرياض. وأستطيع القول أن لا خوف على الأحساء ما دامت محل عناية من وزارة الثقافة ممثلة بهيئة التراث ومن مؤسسة عبد المنعم الراشد الإنسانية ممثلة ببيت الحرفيين ونحن كأحسائيين عملنا عبر التاريخ على أعمال ومنتجات حرفية لم يستطع سوانا أن يعملها، مثل حرفة صناعة كسوة الكعبة المشرفة وهي من المفاخر ومن أقوى الحرف، والأكثر شرفًا حيث صُنعت في الأحساء أول كسوة سعودية للكعبة المشرفة عام 1221هـ إلى 1227هـ وذلك في العهد السعودي الأول أيام الإمام سعود الكبير رحمه الله وأيضًا عام ١٣٤٣هـ أيام المغفور له المؤسس الملك عبد العزيز أثناء السعودية الثالثة وفي إحدى تنقلات الإمام سعود الكبير وهو متجه إلى الحجاز مر بأحد ملوك اليمن وقد أهداه عباءة أحسائية والمقصود هو البشت الحساوي، لأنها كانت صناعة فاخرة وكانت تتهادى بين الزعماء، وفي أيام الملك عبد العزيز كانت تُجمع المداد من الأحساء لفرش جوامع المملكة، هذا ما سمعته من حرفي صناعة المدَّة الحاج صالح الحميد الذي يسكن مدينة المداد “الجرن” وهو من شيوخ الحرفة اليوم حيث ينقل أنها تجمع في مستودعات ثم توزع على جوامع المملكة. فإذا ما تناولنا الأحساء ففيها اليوم عدد هائل من المتدربين والمتدربات، ونفخر اليوم أن كل المدربين والمدربات في بيت الحرفيين سعوديين وسعوديات وهكذا بقية المعاهد الحرفية، بينما قبل عشر سنوات في الأحساء لم يكن لدينا إلا القليل ممن يمكنهم التدريب.
وقدم السماعيل سؤاله الثالث: ما هو مستقبل الحرف اليدوية في الأحساء؟
فأجاب السلطان، أن ابن خلدون له رأي في بناء الحضارة واستدامتها وأن الحضارة تقاس بمهارة الصانع وجودة البناء ودقة الحرفي.
ويضع ابن خلدون أربعة أركان تجعل من الحرف بانية لقوة الحضارة حيث تصنع الاستدامة وتجعلها في حيوية دائمة، تمامًا كما هي التوصيات الثلاث لليونسكو لاستدامة الحرف التي وضعتها في 2004م وأنا أطلقت عليها “مثلث الإبداع” وهي التدريب والتطوير والتسويق، من هنا نكتشف أن ابن خلدون هذا العبقري العربي سبق اليونسكو من القرن ١٤ الميلادي أي التاسع الهجري، ووضع أربعة أركان ثلاثة منها تتماهى مع توصيات اليونسكو حيث أول التوصيات التدريب وابن خلدون يعبر عنه بنقل الثقافة ويقصد نقل التراث والخبرة للأجيال واليونسكو يؤكد على التطوير وابن خلدون يقابله برفع القيمة ويقصد بها إضافة العقل للمادة الخام واليونسكو يتبنى التسويق وابن خلدون يعبر عنه بخلق الأسواق أما العنصر الإضافي عند ابن خلدون فهو حفظ الاستقرار ويقصد أن الحرف اليدوية ومنتجاتها تؤثر في ربط الناس بالمدينة وتفضيلهم بالعيش فيها وهي التفاتة مهمة جدًا من ابن خلدون فمثلًا أسواق الأحساء قبل خمسين عامًا أو ألف، كانت كلها منتجات يصنعها أهل الأحساء، هذا جعل أسواقها نشطة، وأنا أعبر عن الأحساء سابقًا “أن الأحساء كانت بمثابة المنطقة الصناعية لليمامة ودول ساحل الخليج العربي إلى عهد قريب” وذلك راجع لمنتجاتها الحرفية.
وأستطيع أن أسقط فكرة ابن خلدون هذه على الأحساء سابقًا حيث الحرف اليدوية تسهم في الاستقرار فإذا ما كان الحديث عن قِدم الاستيطان البشري في الأحساء أنه حوالي 6000 سنة قبل الميلاد فتحول بعدها إلى استيطان دائم فإن الحديث دائمًا يعزي ذلك إلى وجود المياه المتدفقة والواحة الغناء أما اليوم فأنا أضيف ما ذكره ابن خلدون أيضًا وهي الحرف اليدوية أيضاً ساهمت في ذلك الاستقرار.
وفي فقرة المداخلات أشاد الدكتور غازي المغلوث بالأحساء والمحاضر ثم وجه سؤاله:
برأيك ونحن نعيش الآن ثورة الذكاء الاصطناعي والتخزين السحابي ومعامل البيانات الضخمة أتمتة الأشياء هل هذا سيؤثر على الحرف اليدوية؟
وكان الجواب: كلما سمعنا حديثًا عن الذكاء الاصطناعي فإننا نعلم بأنه يجرد أشخاصًا عن وظائفهم، ولكن في الوقت ذاته يصنع وظائف أخرى وهذا ما يتحدث به المسؤولون والخبراء. ودخول الآلات والتقنيات كانت واحدة من القضايا التي نوقشت في موضوع الحرف اليدوية مثل الحرق بالليزر وغيره إلا أن منظمة اليونسكو تعد مثل هذا يسهم في خلق الاستدامة حيث يسرع من الإنتاج ويوفر الجهد والوقت ويضيف له فنون جميلة شريطة ألا يفقد الروح والهوية وما يميز المنتجات اليدوية أنه لا يمكن أن تكون هنالك قطعتان متطابقتان تمامًا كما أنها تحمل روح الحرفي ومشاعره وأحاسيسه وعمومًا لا يوجد رفض لموضوع دخول الآلات والتقنيات وعليه من وجهة نظري أنه لا خوف عليها.
أما مدير فرع السياحة السابق بالأحساء الأستاذ خالد الفريدة فقد أثنى على المحاضر وأردف قائلًا: إن السلطان من الحريصين على دقة المعلومات ولا سيما عن الأحساء وهو متيم بالأحساء ويتقن ما يتعلق بها. وأحب أن أضيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس بردة أحسائية ثم نزعها وألبسها كعب بن زهير حين أعلن إسلامه بين يديه وألقى قصيدته “البردة”.
وأضاف السلطان أنه اقترح على غرفة الأحساء بتخصيص عدد لعام الحرف اليدوية وبالفعل تمت الموافقة وعمل مع فريق التحرير ليل نهار حيث تم عمل اللقاءات مع الحرفيين والحرفيات وتم استكتاب مسؤولين وأكاديميين مختصين في مجال الحرف وصدر عدد كامل وهو يعد بمثابة المجلة العلمية. واليوم أمانة الأحساء ولأول مرة أعلنت انتخاب صانع البخور الحرفي أحمد الجدي رئيسًا لمهنة الحرفيين وقد استأذنت سعادة أمين الأحساء المهندس عصام الملا لإعلان ذلك في هذه الأمسية.
كذلك في أبريل الماضي تم إقامة حفل جائزة الأمين للتميز وتشرفت بأن أكون أحد المحكمين في هذه الجائزة، وفازت الحرفية صانعة السجاد اليدوي أ. سارة الجاسم بهذه الجائزة كما فاز بها أيضًا حرفي صناعة البشت الحساوي سلمان الحمد.
في نهاية الأمسية قدم رئيس جمعية هجر التاريخية الدكتور حمد الرشيد درعًا تذكارية للمحاضر السلطان.
جدير بالذكر أن علي السلطان حاصل على شهادة بكالوريوس أدب إنجليزي وهو رئيس فريق حصر وتوثيق الحرف اليدوية بالأحساء في 2024 – 2025 (تابع لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية)، ومُقَيِّم المباني التراثية والمواقع الأثرية بالأحساء ٢٠٢٦، ومحكم لمسار الحرف اليدوية لجائزة أمين الأحساء ٢٠٢٦، ومتقاعد من أرامكو السعودية، وعضو فريق عمل الأحساء المبدعة للحرف اليدوية والفنون الشعبية في اليونسكو 2015 – 2020، وعضو لجنة تأجير سوق الحرفيين بالأحساء 2020، وعضو المجلس البلدي بالأحساء 2011. نشر العديد من المقالات وأجرى العديد من اللقاءات التلفزيونية والإذاعية بهدف التسويق الحرفي والسياحي للأحساء.





