
زاهر العبد الله: سيهات
افتتح سماحة السيد منير الخباز محاضرته بتلاوة قوله تعالى:
﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(١٢٥)﴾ النحل.
وطرح سماحته سؤالًا رئيسًا يدور حول واقع المجتمعات الإسلامية المتعددة المذاهب، مفاده: هل يمكن للخطاب الديني أن يجمع بين ثمرتين رئيستين؛ الأولى المحافظة على الهوية العقدية، والثانية تعزيز المواطنة القائمة على السلم الاجتماعي والتراحم والتعاون الأخوي بين أبناء الدين الواحد؟
وبيّن سماحته أن المقصود بالخطاب الديني ليس خصوص خطاب المسجد أو المنبر، بل يشمل القصيدة الحسينية، واللطمية، والكتابات في وسائل التواصل الاجتماعي، وكل ما يصدر عن الإنسان بوصفه رسالة دينية موجهة للآخرين.
ثم قسم سماحته بحثه إلى ثلاثة محاور رئيسة:
المحور الأول: الذكاء الاجتماعي في صناعة الخطاب الديني، متناولًا
معنى الذكاء الاجتماعي، والخطاب الديني، وأثر الكلمة في النفوس والعقول، وموقع الحكمة في الخطاب الديني، موضحًا سماحته أن الذكاء الاجتماعي يختلف عن الذكاء العقلي، فليس كل من امتلك قدرة تحليلية عالية يمتلك بالضرورة القدرة على فهم الناس والتعامل معهم.
مقررًا سماحته أن الذكاء الاجتماعي هو القدرة على قراءة مشاعر الآخرين وظروفهم النفسية والاجتماعية، والتفاعل معهم بطريقة تحقق التأثير الإيجابي، وتمكّن الإنسان من بناء علاقات قائمة على اللطف واليسر واللين.
وأشار إلى أن القرآن الكريم قدّم النبي صلى الله عليه وآله بوصفه الأنموذج الأكمل للذكاء الاجتماعي، في قوله تعالى:﴿ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.
وبين سماحته أن الخطاب الديني ليس مجرد نقل للمعلومات أو تعليم للأحكام، وإنما هو مشروع متكامل لبناء الوعي، وإحياء القيم، وتقويم السلوك الإنساني.
مستشهدًا بقوله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
وبين سماحته أن الكلمة قد تكون سببًا في صناعة الجسور بين الناس، وقد تتحول إلى وقود للخصومات والحروب، مستشهدًا بقوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ.
وقوله:﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦)﴾.
كما أشار سماحته إلى رواية أمير المؤمنين عليه السلام: «رب كلمة أنفذ من سهام».
ثم تناول موقع الحكمة في الخطاب الديني، منتقدًا من يتذرع بالصراحة لتبرير الجفاء والجرح والإساءة للآخرين.
وبيّن أن الحكمة تعني مراعاة أربعة أمور: ماذا تقول؟ كيف تقول؟ متى تقول؟ لمن تقول؟، وأن هذه القيود الأربعة هي التي تجعل الخطاب نافذًا ومؤثرًا.
كما استشهد بقول الإمام الصادق عليه السلام: «رحم الله عبدًا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم، أما والله لو يروون محاسن كلامنا لكانوا به أعز».
وتناول سماحته في المحور الثاني عناصر الخطاب الديني الفاعل، وهي: قراءة الآخر، واحترام المختلف، والبلاغة، موكدًا على أن الخطاب الناجح هو الذي يراعي الواقع النفسي والثقافي والاجتماعي للمتلقي «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم»، موجهًا لاحترام الإنسان المختلف دينًا أو مذهبًا ﴿ولقد كرمنا بني آدم..)
وشدد سماحته على عدم تضخيم الخلافات، والتركيز على المشتركات الإسلامية، ونشر الرحمة، وجمع الكلمة وجعل الخطاب علاجًا للأزمات لا وقودًا لها. ﴿وأَطِيعُوا اللَّـهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصْبِرُوا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وحدد سماحته فيالمحور الثالث معالم المداراة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ومعناها إظهار العقيدة بوضوح وتجنب الاستفزاز والابتعاد عن إثارة الشحناء والمحافظة على وحدة المجتمع الإسلامي. مؤكدًا أن المداراة رؤية إستراتيجية ثابتة مستمدة من سيرة أهل البيت عليهم السلام.
﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.،﴿وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، مبينًا أن القوة لا تقتصر على القوة العسكرية، بل تشمل القوة الاجتماعية والفكرية.
وختم سماحته بالتأكيد على أن مسؤولية الخطاب الحكيم لا تختص برجال الدين، بل تشمل كل شاب يكتب تغريدة، أو يعيد نشر مقطع، أو يساهم في تداول محتوى ديني، لأن كلمة واحدة قد تؤدي إلى إثارة الفتن أو الإضرار بمؤمنين يعيشون في بلدان أخرى.
ثم بيّن أن سيرة أهل البيت عليهم السلام كانت النموذج الأسمى في الجمع بين الثبات على الحق والحكمة في التعامل، مستشهدًا بمواقف أمير المؤمنين عليه السلام، والإمام الحسن عليه السلام في صلحه، والإمام الحسين عليه السلام في تعامله الإنساني مع جيش الحر وسقيه لهم، وافتتاحه خطابه يوم عاشوراء بالموعظة والنصح قبل القتال.




